حسن بن عبدالله آل الشيخ.. مسيرة علم ونزاهة وعطاء – عبدالله بن محمد آل الشيخ

هناك رجال لا تنتهي سيرتهم بانتهاء أعمارهم، ولا تُطوى صفحاتهم بمغادرتهم مناصبهم لأنهم لم يعيشوا لأنفسهم.. ولم يجعلوا من المسؤولية وجاهة.. أو سلطة بل رأوا فيها أمانة يؤدونها ورسالة يحملونها وفرصة لخدمة دينهم ووطنهم وقيادتهم ومجتمعهم.

ومن هؤلاء الرجال الذين لا تزال مآثرهم حاضرة في الذاكرة معالي الشيخ حسن بن عبدالله بن حسن آل الشيخ، رحمه الله.. أحد رجالات الدولة السعودية الذين جمعوا بين العلم والإدارة والصدق والنزاهة والتواضع والرحمة فاستحقوا ثقة القيادة.. ومحبة الناس وتركوا من الأعمال والمواقف ما يجعل الحديث عنهم حديثًا عن مرحلة مهمة من تاريخ بناء الدولة ومؤسساتها.

وأكتب اليوم عن الشيخ حسن لا.. اعتمادًا على ما قرأته في سيرته فحسب، وإنما عن معرفة قريبة وذكريات ومواقف عشت بعضها معه فقد كان معلمي وأستاذي وقدوتي وكان من حسن حظي أن أكون قريبًا منه، وأن أتعلم من أخلاقه قبل أقواله ومن مواقفه قبل توجيهاته.

وُلد الشيخ حسن رحمه الله عام 1933م في المدينة المنورة ونشأ وتلقى تعليمه في مكة المكرمة في بيئة علمية ودينية أسهمت في تكوين شخصيته فنهل من علوم الشريعة واللغة والأدب وظهرت عليه منذ شبابه المبكر ملامح النبوغ والجدية وسعة الاطلاع.

بدأ حياته العملية في ميدان القضاء وتولى مسؤوليات في رئاسته وهي تجربة أكسبته معرفة بالأنظمة وأحوال الناس ورسخت لديه أهمية العدل والإنصاف وتحمل الأمانة.

وفي عام 1961م أُسندت إليه وزارة المعارف خلفًا لأخيه الأكبر معالي الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ رحمهما الله وكان الشيخ حسن في التاسعة والعشرين من عمره تقريبًا ليكون من أصغر الوزراء الذين حملوا مسؤوليات الدولة في تلك المرحلة.

ولم تكن وزارة المعارف يومئذ وزارة عادية: فقد كانت المملكة تمضي في بناء مؤسساتها وتوسيع خدماتها وكان التعليم في مقدمة الأولويات التي أولتها القيادة السعودية عنايتها إدراكًا منها أن بناء الإنسان هو الأساس الذي تقوم عليه نهضة الأوطان.

ومن العبارات التي ارتبطت في الذاكرة بمرحلة التوسع التعليمي في عهد الشيخ حسن رحمه الله: « كل يوم فتح مدرسة».. وهي عبارة تختصر حجم الطموح الذي صاحب تلك المرحلة حين أخذت المدارس تنتشر في المدن والقرى والهجر وأصبح الوصول بالتعليم إلى أبناء الوطن هدفًا وطنيًا يتجاوز حسابات المسافات والإمكانات.. ولم يكن افتتاح مدرسة مجرد إضافة مبنى إلى قائمة المشروعات بل.. كان فتح نافذة للمستقبل وإضاءة طريق لجيل جديد وإتاحة فرصة لطفل قد يصبح يومًا طبيبًا أو مهندسًا أو معلمًا أو مسؤولًا يسهم في خدمة وطنه.

وقد عمل الشيخ حسن رحمه الله في ظل توجيهات القيادة ودعمها على مواصلة التوسع في التعليم والعناية بالمعلمين والطلاب وتطوير البيئة التعليمية وتشجيع إعداد الكفاءات الوطنية مؤمنًا بأن الاستثمار الحقيقي هو.. الاستثمار في الإنسان.

ثم تولى وزارة الصحة إلى جانب مسؤولياته قبل أن يُعهد إليه في عام 1975م بتولي وزارة التعليم العالي عند إنشائها فكان أول وزير لها واستمر في حمل هذه المسؤولية حتى وفاته رحمه الله عام 1987م.. وقد شهدت تلك المرحلة ترسيخ مؤسسات التعليم الجامعي وتوسيع مجالاته.. في وقت كانت فيه المملكة بحاجة إلى المزيد من الكفاءات المؤهلة لمواكبة نهضتها التنموية.

وللشيخ حسن إسهامات فكرية وثقافية وأدبية فقد كان معاليه كاتبًا ومثقفًا واسع الاهتمام وترك مؤلفات تناولت قضايا القضاء والمجتمع والإنسان ومنها «كرامة الفرد في الإسلام» و«المرأة كيف عاملها الإسلام» و«دورنا في الكفاح»، بما يعكس اهتمامه ببناء الفكر إلى جانب بناء المؤسسات.

غير أن ما أود التوقف عنده وربما لا تتسع له السير الرسمية هو الجانب الإنساني في شخصية هذا الرجل.. فقد عرفت الشيخ حسن أو أبا هشام كما كنا نناديه رجلًا صادقًا نزيهًا متواضعًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى محبًا للخير حريصًا على قضاء حوائج الناس لا.. يتعامل مع المسؤولية بوصفها حاجزًا يفصله عن المجتمع وإنما جسرًا يصل من خلاله إلى أصحاب الحاجات.

كانت مواقفه الإنسانية كثيرة بل لا تكاد تُحصى، وكانت شفاعاته الطيبة ورسائله التي يكتبها لمساعدة الناس معروفة لدى من تعاملوا معه.. ولم يكن يكتب تلك الرسائل طلبًا لثناء أو مجاملة لأحد بل عن رضا وقناعة متى رأى في الطلب حقًا يستحق الإنصاف، أو حاجة مشروعة تستدعي المساعدة.

وأستعيد هنا موقفًا لا يزال حاضرًا في ذاكرتي، على الرغم من مرور عشرات السنين عليه.. فقد كنت ذات صباح برفقة معاليه بعد خروجه من منزل والدته رحمها الله ورحمه وإذا به يلمح رجلًا مسنًا يقف على الرصيف المقابل للطريق فأمر سائقه بالتوقف.. اقترب الرجل وأخذ يشرح للشيخ حسن مشكلته ومعاناته.. وكان حارسًا لإحدى المدارس وقد فقد عمله وجاء يلتمس شفاعته لإعادته إلى وظيفته.

استمع إليه أبو هشام باهتمام ثم أخرج من درج سيارته أوراق مراسلاته وكتب رسالة ووضعها في مغلف وسلمها لذلك الرجل.. وبعد أن تحركنا تحدث معي رحمه الله عن حال هذا المسن، متسائلًا: هل المسؤول الذي اتخذ القرار عرف وراعى ظروفه؟ وهل قدّر معاناته وحاجته إلى هذا العمل؟ ثم أخبرني بأنه وجّه بإعادته إلى وظيفته.

تأملت يومها ذلك الموقف وما زلت أتأمله حتى اليوم وأتساءل أين نحن منه..! وزير يحمل مسؤوليات كبيرة ويستطيع أن يمضي في طريقه دون أن يتوقف لكنه رأى إنسانًا محتاجًا فأوقف سيارته.. واستمع إليه وكتب له شفاعة.. واهتم بأمره لم يسأل عن مكانته الاجتماعية ولا عمّن يعرفه ولا عن الطريق الذي أوصله إليه..

هناك رجال لا تنتهي سيرتهم بانتهاء أعمارهم، ولا تُطوى صفحاتهم بمغادرتهم مناصبهم لأنهم لم يعيشوا لأنفسهم.. ولم يجعلوا من المسؤولية وجاهة.. أو سلطة بل رأوا فيها أمانة يؤدونها ورسالة يحملونها وفرصة لخدمة دينهم ووطنهم وقيادتهم ومجتمعهم.

ومن هؤلاء الرجال الذين لا تزال مآثرهم حاضرة في الذاكرة معالي الشيخ حسن بن عبدالله بن حسن آل الشيخ، رحمه الله.. أحد رجالات الدولة السعودية الذين جمعوا بين العلم والإدارة والصدق والنزاهة والتواضع والرحمة فاستحقوا ثقة القيادة.. ومحبة الناس وتركوا من الأعمال والمواقف ما يجعل الحديث عنهم حديثًا عن مرحلة مهمة من تاريخ بناء الدولة ومؤسساتها.

وأكتب اليوم عن الشيخ حسن لا.. اعتمادًا على ما قرأته في سيرته فحسب، وإنما عن معرفة قريبة وذكريات ومواقف عشت بعضها معه فقد كان معلمي وأستاذي وقدوتي وكان من حسن حظي أن أكون قريبًا منه، وأن أتعلم من أخلاقه قبل أقواله ومن مواقفه قبل توجيهاته.

وُلد الشيخ حسن رحمه الله عام 1933م في المدينة المنورة ونشأ وتلقى تعليمه في مكة المكرمة في بيئة علمية ودينية أسهمت في تكوين شخصيته فنهل من علوم الشريعة واللغة والأدب وظهرت عليه منذ شبابه المبكر ملامح النبوغ والجدية وسعة الاطلاع.

بدأ حياته العملية في ميدان القضاء وتولى مسؤوليات في رئاسته وهي تجربة أكسبته معرفة بالأنظمة وأحوال الناس ورسخت لديه أهمية العدل والإنصاف وتحمل الأمانة.

وفي عام 1961م أُسندت إليه وزارة المعارف خلفًا لأخيه الأكبر معالي الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ رحمهما الله وكان الشيخ حسن في التاسعة والعشرين من عمره تقريبًا ليكون من أصغر الوزراء الذين حملوا مسؤوليات الدولة في تلك المرحلة.