منذ تأسيس جامعة الدول العربية لم تكن الفكرة أن تكون مجرد منصة لاجتماعات وزراء الخارجية أو إصدار البيانات، بل إطارًا للعمل العربي المشترك، يحفظ للدول استقلالها ويمنحها مساحة للتنسيق في القضايا التي تمس مصالحها وأمنها. لكن المشكلة أن الجامعة كثيرًا ما تقف عند حدود التعبير عن الموقف، بينما تتحرك الأحداث خارج قاعاتها، فتتحول القرارات إلى مواقف معلنة ينتهي أثرها بانتهاء الاجتماع.
فالمنطقة تغيرت بسرعة، بينما بقيت آليات العمل العربي في كثير من الملفات أقرب إلى إدارة الأزمة بعد وقوعها منها إلى صناعة موقف قادر على التأثير فيها. الأمن أصبح مرتبطًا بالطاقة والاقتصاد والممرات البحرية، والأزمات لم تعد تتوقف عند الحدود، ومع ذلك لا تزال الاستجابة العربية محكومة بحدود التوافق الممكن أكثر من سرعة التحدي القائم.
وهذه ليست مشكلة الجامعة وحدها، فالدول العربية تمتلك عناصر قوة كبيرة؛ الموقع والطاقة والأسواق والممرات البحرية والثقل السياسي، لكنها لا توظفها ضمن رؤية مشتركة. وحين يغيب التنسيق، تتحول عناصر القوة إلى قدرات منفصلة، وتترك مساحة القرار لمن يملك المبادرة والأدوات.
المطلوب ليس جامعة تتجاوز سيادة الدول، وإنما جامعة تعكس ما تستطيع الدول الاتفاق عليه وتمنحه أدوات تأثير حقيقية. فالبيان لا يحمي ممرًا بحريًا، والقرار السياسي لا يكتسب أثره من صياغته، وإنما من القدرة على ترجمته دبلوماسيًا واقتصاديًا إلى فعل.
المشكلة الحقيقية هي المسافة بين عناصر القوة العربية والقدرة على تحويلها إلى تأثير جماعي. وتضييق هذه المسافة يتطلب تحديد الملفات التي تستحق موقفًا مشتركًا، وبناء أدوات للتحرك فيها قبل أن تفرض الأزمات نتائجها.
وعليه، فإن مستقبل جامعة الدول العربية لن تحدده كثرة الاجتماعات أو البيانات، بل قدرتها على أن تصبح إطارًا عمليًا لما تتفق عليه الدول العربية. فإذا أرادت الدول مؤسسة فاعلة، فعليها أن تمنحها الأدوات، وإذا أرادت الجامعة دورًا مؤثرًا، فعليها أن تحول التوافق إلى حركة سياسية.
أما إبقاؤها محدودة الصلاحيات ثم تحميلها نتائج غياب التوافق، فلن يغيّر الواقع؛ سيبقي الجامعة مظلة في الخطاب، وشماعة عند الحساب.
فالاختبار الحقيقي ليس وجود الجامعة، وإنما قدرتها على تحويل ما يجمع العرب إلى قوة سياسية مؤثرة.
منذ تأسيس جامعة الدول العربية لم تكن الفكرة أن تكون مجرد منصة لاجتماعات وزراء الخارجية أو إصدار البيانات، بل إطارًا للعمل العربي المشترك، يحفظ للدول استقلالها ويمنحها مساحة للتنسيق في القضايا التي تمس مصالحها وأمنها. لكن المشكلة أن الجامعة كثيرًا ما تقف عند حدود التعبير عن الموقف، بينما تتحرك الأحداث خارج قاعاتها، فتتحول القرارات إلى مواقف معلنة ينتهي أثرها بانتهاء الاجتماع.
فالمنطقة تغيرت بسرعة، بينما بقيت آليات العمل العربي في كثير من الملفات أقرب إلى إدارة الأزمة بعد وقوعها منها إلى صناعة موقف قادر على التأثير فيها. الأمن أصبح مرتبطًا بالطاقة والاقتصاد والممرات البحرية، والأزمات لم تعد تتوقف عند الحدود، ومع ذلك لا تزال الاستجابة العربية محكومة بحدود التوافق الممكن أكثر من سرعة التحدي القائم.
وهذه ليست مشكلة الجامعة وحدها، فالدول العربية تمتلك عناصر قوة كبيرة؛ الموقع والطاقة والأسواق والممرات البحرية والثقل السياسي، لكنها لا توظفها ضمن رؤية مشتركة. وحين يغيب التنسيق، تتحول عناصر القوة إلى قدرات منفصلة، وتترك مساحة القرار لمن يملك المبادرة والأدوات.
المطلوب ليس جامعة تتجاوز سيادة الدول، وإنما جامعة تعكس ما تستطيع الدول الاتفاق عليه وتمنحه أدوات تأثير حقيقية. فالبيان لا يحمي ممرًا بحريًا، والقرار السياسي لا يكتسب أثره من صياغته، وإنما من القدرة على ترجمته دبلوماسيًا واقتصاديًا إلى فعل.
المشكلة الحقيقية هي المسافة بين عناصر القوة العربية والقدرة على تحويلها إلى تأثير جماعي. وتضييق هذه المسافة يتطلب تحديد الملفات التي تستحق موقفًا مشتركًا، وبناء أدوات للتحرك فيها قبل أن تفرض الأزمات نتائجها.
وعليه، فإن مستقبل جامعة الدول العربية لن تحدده كثرة الاجتماعات أو البيانات، بل قدرتها على أن تصبح إطارًا عمليًا لما تتفق عليه الدول العربية. فإذا أرادت الدول مؤسسة فاعلة، فعليها أن تمنحها الأدوات، وإذا أرادت الجامعة دورًا مؤثرًا، فعليها أن تحول التوافق إلى حركة سياسية.
أما إبقاؤها محدودة الصلاحيات ثم تحميلها نتائج غياب التوافق، فلن يغيّر الواقع؛ سيبقي الجامعة مظلة في الخطاب، وشماعة عند الحساب.
فالاختبار الحقيقي ليس وجود الجامعة، وإنما قدرتها على تحويل ما يجمع العرب إلى قوة سياسية مؤثرة.
الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.
أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.