ترامب يغرّد وحيداً: جيش المؤثرين لم يعد يجيب!

في أعقاب الانتخابات النصفية الأميركية، يواجه دونالد ترامب تصدّعات داخل معسكره الإعلامي، بعدما انقلب عليه مؤثرون بارزون أسهموا في وصوله إلى البيت الأبيض. من تاكر كارلسون إلى جو روغان وكانديس أوينز، تتسع دائرة المنتقدين لسياساته وانحيازه لإسرائيل، وسط تساؤلات عن انعكاس هذا الشرخ على أصوات الشباب ومستقبل حركة «ماغا»

يبدو المشهد الانتخابي بالنسبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب وخلفه المعسكر اليميني المتضعضع أكثر تعقيداً من الوضعية التي كان عليها خلال السباق الرئاسي أواخر عام 2024. حينها، تخبّط الحزب الديمقراطي بين ترشّح الرئيس الأسبق جو بايدن من عدمه، بينما روّج ترامب نفسه برجل السلام المخلّص من ويلات الحروب العبثية وعلى رأسها الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة. أمّا بعدما أوصل الرئيس الأميركي بلاده والعالم إلى حافة الهاوية جرّاء المغامرات العسكرية التي لا تنتهي، فقد انعكست سياسته سلباً في مجالات عدّة. في هذا السياق، تحوّل جيش المؤثرين الذين اتكأ عليهم ترامب على امتداد وسائل التواصل الاجتماعي لإقناع الشريحة الشبابية بمشروعه السياسي، من نعمة شعبوية إلى نقمة تلاحقه وتحاسبه على زيف وعوده.

ومع التماهي المفرط للإدارة الأميركية مع مصالح «إسرائيل» فوق أي اعتبار، انقلب عليه جزء رئيسي من صقور المعسكر اليميني الإعلاميين واحداً تلو الآخر، لا سيّما الإعلامي تاكر كارلسون والمؤثّر جو روغان والمذيعة كانديس أوينز.

هذا النزيف الحادّ في الفريق الإعلامي انسحب على الشرائح الشعبية الشابّة، تحديداً في الفئة المؤيّدة لترامب، التي كرّرت التساؤلات ذاتها حول سبب نكث ترامب بعهده تقديم «أميركا أوّلاً» في مقابل تبنّي سياسة «إسرائيل أوّلاً» عند كل مفترق طرق. وبينما ادّعى الرئيس الجمهوري أنّ حركة «ماغا» لا تزال تسير خلفه رغم الانشقاقات، إلّا أنّ المؤثرين المتمردين حافظوا على ملايين المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي بما يُظهر أنّ انقلابهم لاقى صدى بالفعل.

الرئيس الموعود... ثمّ المكروه

اعتمدت حملة دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية بشكل رئيسي على الإعلاميين والناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، متكئاً على منابرهم الشهيرة لمخاطبة جيلي زد والألفية. في طليعة الفريق الترامبي في الولاية الثانية، قاد الإعلامي الأميركي الشهير، تاكر كارلسون، حملة ترويج المرشّح الجمهوري بوصفه الخيار الأمثل للبيئة المحافظة. وإبّان عملية إطلاق النار المزعومة على ترامب، وصف كارلسون ما حصل بـ «التدخّل الإلهي» لحماية الرئيس الجمهوري. لكن في غضون أشهر قليلة، انقلب الصحافي المحافظ على أفكاره السابقة، وقدّم اعتذاراً لتضليله الجمهور الأميركي. كما صرّح لصحيفة «وال ستريت جورنال» أنّه يشعر بـ «الخيانة» من قبل ترامب بسبب تخلّي الأخير عن مصالح واشنطن من أجل «إسرائيل».

منذ العدوان الأميركي على إيران في حزيران (يونيو) عام 2025، بدأ الصدام بين الحليفين اليمنيين. بالنسبة إلى كارلسون، ما حصل هو انصياع كامل و«غير مبرّر» للإدارة الأميركية خلف مصالح جهة يصفها بالصغيرة والبعيدة. ووصلت الحال بحليف الأمس، أن ينتقد أيضاً الصهيونية وأفكارها، رافضاً بشكل مطلق تلاقي الديانة المسيحية مع مبدأ «شعب الله المختار». علماً أن كارلسون كتب تغريدة على «إكس» من العيار الثقيل في الأيام الماضية، كاشفاً بالاستناد إلى معلومات من مصدر في البنتاغون عن أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يضغط على ترامب لاستخدام قنبلة نووية ضدّ إيران.

المنشقّون عن المركب

إلى جانب هذا الانفصال غير الودّي بين قطبي «ماغا»، برز خروج المؤثّر الشهير جو روغان من كنف الإدارة الحالية. المعلّق الرياضي لفنون القتال المختلطة سبق له أن استضاف ترامب، ممهّداً الطريق أمامه في بودكاست استمرّ لساعات ووصل إلى مسامع عشرات ملايين المتابعين. لكن في ظلّ الحروب المستمرّة والسياسات الداخلية والعلاقة مع حلفاء واشنطن، انتفض روغان على الخطايا المتراكمة نازعاً عن نفسه العباءة الترامبية.

انقلب عليه جزء رئيسي من صقور المعسكر اليميني الإعلامي

زعزع خروج كارلسون وروغان ثقة ترامب باسترضاء الجيل الشاب على شاكلة ما حصل في الانتخابات الرئاسية الماضية. كما لم ينحصر النزيف على هاتين الشخصيتين، إذ بدّل الناشط، شون راين، من تموضعه السياسي بعدما كان من أبرز داعمي الرئيس الجمهوري في الانتخابات الرئاسية. وهاجم راين أخيراً الإدارة الأميركية بشدّة، متهماً ترامب بإثراء نفسه على حساب الشعب الأميركي. ويقدّم راين برنامجاً حوارياً على صفحته على يوتيوب، يتابعها ملايين المشاهدين بشكل دوري، علماً أنّ له مسيرة عسكرية حافلة تمتد من خدمته في البحرية الأميركية وكجندي في القوات الخاصة، وصولاً إلى عمله سابقاً كمتعاقد مع الاستخبارات المركزية الأميركية.

ومن بين الركب المتمرّد في العامود الفقري الإعلامي لحملات الرئيس الأميركي، انتقلت المذيعة المحافظة، كانديس أوينز من كونها أشدّ الداعمين لترامب، إلى أحد أقصى معارضيه. وصفت أوينز الرئيس بـ «خيبة أمل مزمنة»، معتبرة أنّها تشعر بالحرج لطلبها من الأميركيين التصويت سابقاً له.

المعركة على الشباب

يمتلك الإعلاميّون والمؤثّرون المنشقون في ما بينهم جيوشاً مليونية من المتابعين، جلّهم من البيئة اليمينية نفسها التي يستند إليها الرئيس الأميركي. ولذا، تأتي الانتخابات النصفية الأميركية بوصفها أوّل استفتاء شعبي بعد خسارة ترامب صقور حملته الإعلامية، الذين شكّلوا الرافد الأساسي لسرديته أمام الشعب الأميركي.

في التجارب السابقة، تحديداً الحملة الانتخابية لرئاسة الولايات المتحدة في عام 2024، أولى دونالد ترامب أهميّة قصوى لدور وسائل التواصل الاجتماعي في الانتخابات. وبدء الاستثمار في هذا الإطار منذ عام 2022. فبعدما نبذ معظم المنصات ترامب وأقفل حساباته الشخصية، دفع حليفه حينها، إيلون ماسك، 44 مليار دولار للاستحواذ على منصّة «إكس» (تويتر آنذاك). ومن أولى الخطوات التي اتخذها ماسك حينها، كان إعادة إلغاء الحظر عن حساب ترامب على المنصّة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، إذ أنشأ ترامب منصّته الخاصّة «تروث سوشال». واللّافت أيضاً، أنّ الرئيس الأميركي يحرص على استعمال حساباته على مختلف المنصات بشكل دوريّ. إلى جانب البوست السياسي أو إعلان الحروب، ينشر ترامب بعض المحتوى المكتوب أو الصور المعدّلة بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي، الموجّه في مضمونه إلى الأجيال الشابّة في محاولة لاستمالتها.لذلك يدرك الرئيس السابع والأربعون للولايات المتحدة أهميّة وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في دعم إيصال الأشخاص للحكم، أو الإطاحة بها. أمام التّحدّي المقبل، تتجه الأنظار لمعرفة حجم تأثير خسارته مروّجي سرديّته على هذه المنصات.