حسناً فعل الشاعر الفلسطيني عبد قدورة أنه لم يعنون أي قصيدة في مجموعته الشعرية الأولى بـ«المارتينه»، لأن القصائد كلها عبارة عن «مارتينه»، صاحبها متمكن من أدواته الوطنية والروحية المتماهية مع أرضه.
أسمى عبد قدورة مجموعته «المارتينه.. ديوان الحِداء الفلسطيني المقاوم»، و«المارتينه» بندقية استعملها الفلسطينيون في مقاومتهم ضد الاستعمار قبل النكبة، والشاعر استعملها لأنها، بحسب تعبيره، «معشوقتي ومعشوقة كل فلسطيني وثائر». ويؤكد أن كبار السن أمثال «سيدي»، أي جده وجدي، «يعرفون ما تعني المارتينه»، فيذكر لقبها لديهم «السمرا»، ويعود إلى غسان كنفاني، الشاهد الشهيد على حالنا من يوم ميلاده حتى يومنا هذا وما بعده. فما كتبه غسان منذ سنين طويلة يبدو ليحاور المراحل المتتالية، وهذا هو في مجموعته القصصية «عن الرجال والبنادق»، والقصة الأولى فيها «الصغير يستعير مرتينة خاله ويشرق إلى صفد». هنا حاور غسان عبد، وعبد حاور فلسطين ليس بـ«مارتينة» خاله و«عشرين فشكة» لتحرير قلعة صفد كما في قصة غسان، بل بحشد من القصائد التي تقول ما قاله غسان في قصته: «لو حمل كل رجل في الجليل عشرين فشكة واتجه إلى قلعة صفد لمزقناها في لحظة واحدة».
قسّم عبد مجموعته الشعرية الصادرة عن «دار بيسان»، والمجموعة بـ274 صفحة، إلى أربعة فصول، وكل فصل سبقه تصميم يبدو أن صاحبته ماريا نصر الله التي رسمت الغلاف. حمل كل فصل اسماً: الأول «طوفان الأقصى»، والثاني «عرين الأسود وكتائب فلسطين»، والثالث «انتفاضة السكاكين»، والرابع «منوعات». وقبلها كتب إهداءً طويلاً، كأنه أراد أن يهدي المجموعة إلى كل شهيد باسمه رحل على طريق فلسطين. ذكر أسماء السيد حسن نصر الله، وباسل الأعرج، ونوح إبراهيم، وفؤاد حجازي ورفاقه، ويحيى السنوار، ومحمد الضيف. أهداهم عمله وإلى «كل قائد وجندي وشيخ وطفل وامرأة، الذين كانوا بحق اليد المضرجة التي دقت باب الحرية الحمراء».
وبعد الإهداء كتب مقدمة، قال فيها عن رفيقه وصديقه باسل الأعرج، الذي لا يذكره بالاسم، إنما يكتب تاريخ استشهاده في 6 آذار 2017، فيحكي عنه بألم بادٍ في الكلام، وبكثير من الولاء والانتماء له وللشهداء الكثيرين على طريقه، فيقول: «ثماني سنوات، كان الشهداء وعملياتهم وشعبنا الأبي ذخري ودم شراييني ومصدر إلهامي، حتى جاء طوفان الأقصى بمجرياته وشهدائه وصمود أهله ومقاوميه الأسطوري، ليعصف بي عصفاً، وكذا جبهات الإسناد والوفاء في زمن الخيانة والخذلان والردة العربية». ويزيد ذكراً في حديثه عما فعله استشهاد السيد حسن به، فيضيف: «أدمى الفؤاد والروح».
العديد من قصائد المجموعة مهداة إلى شهداء ذكرهم بأسمائهم، وبعضهم أهداهم أكثر من قصيدة. بعضها معروفة كأغانٍ غناها مغنون لبنانيون وفلسطينيون، منهم الشهير جعفر الطفّار، شريك عبد منذ وقت طويل، فقد جمعتهما الصداقة، مثلما جمعتهما القصيدة والموسيقى والغناء، ومثلما جمعهما «النادي الثقافي الفلسطيني» الفاعل شعبياً وثقافياً في مخيمي مار إلياس في بيروت والبداوي في شمال لبنان.
وعدا عن القصائد المهداة، هناك القصائد التي يضيف إلى عنوانها عبد قدورة سبب كتابتها. فلذلك نقرأ في قصيدة «يا غزة»: «يا يمّا مال الحمل، بس القلب ما مال، يا يمّا جوع الضنا، ما يتحملو الجبال»، وفي مقطع آخر يقول: «إحنا اللي بنينا الدور، وإحنا الأرض بتثور، وإحنا الورد وجذور، وما يقلعوا إعصار». هذه القصيدة، كما يوضح عبد تحت عنوانها، هي «عن حرب طوفان الأقصى». كلمات هذه القصيدة ليست انعكاساً للمشاهد التي نراها على شاشات التلفزيون يومياً، لكنها تجربة عميقة وحزينة يعيشها الشاعر، إحساس كامل بالناس تحت القصف. وبشكل أدق، كأن الشاعر انتقل ليكون في غزة، أو أن غزة تلبّسته وهو في مخيم البداوي الذي شهد أياماً سوداء من قبل، سمع عنها الشاعر الشاب من أهله وجيرانه.
بدت في بعض القصائد روح السخرية المرّة، منها قصيدة «متولّي» التي ينتقد ويهاجم فيها قيادة السلطة الفلسطينية على النحو التالي: «رح نحكي قصة ثورتنا، ومتولّي والي حارتنا، ومندوبه القاطم رقبتنا»، فيتابع سارداً القصة شعراً شعبياً: «ومتولّي طريقه عكسي، عندو مفاوض جسمه سكسي، أعمى وسايق فينا تاكسي، بحيطان الأمة مفوتنا». وكما بدأ بالثورة، يعود إليها الشاعر ابن المخيم فيقول: «يا ثورة منحوسة الدرب، بقرطة نصب وقرطة كذب، شو صعب حالك شو صعب، لازم ثورة عثورتنا».
ومثل هذه القصيدة قصائد، وعلى منوالها نقد قيادة السلطة وبعض الشخصيات العاملة فيها أو «المعارضة» لها. وفي بعض المقاطع، هناك إشارات إلى شخصيات تبدو بأسمائها، أو بأحداث مرتبطة بها: «فوق التل وتحت التل، بين اللحظة والتاني، تصلح دولاب المحتل، وعالمواطن سعرانة». ويصل في نقده ليطال «أحزاب بلادي»، وهو لا يجرب في القصيدة النيل من أي فصيل فلسطيني، إنما من التحولات التي طرأت عليها، وهذا يبدو واضحاً في قوله: «الأحزاب اللي ببلادي، صارت بتدرّب باليه»، وقوله: «مبرمج عقلو إبن بلادي، حسب الشخص اللي بيعطيه»، فيما يؤشر إلى تحول بعض الأحزاب إلى ما يشبه مؤسسات NGO’s، أو استعانتها بمثل هذه المؤسسات. لكن الشاعر في قصيدة «هات الحربي» يحيي الكتائب العسكرية للفصائل الفلسطينية في الضفة الغربية، فيكتب عن «هالجهادي وزنده الأسمر» و«فتحاوي موشّح أصفر» و«قسامي معصّب أخضر» و«شباب الثار بتتحضر».
هذا الشاب الذي يعيش بين الناس، يكتب عنهم، ويكتب لهم، والأهم يكتب ما يدور في خاطرهم من إحساس تجاه بلادهم، وما يحدث فيها، وتجاه السياسة وخزعبلاتها. هذا الشاب لا ينظّر على أحد، هو فلسطيني جداً، ابن مخيم، يعرف تماماً معنى أن على المخيم ألا يكون مخيماً يئن وينز أنيناً ومعاناة فقط، فعبد قدورة يعرف ويدرك ويريد أن يبقى المخيم امتداداً لفلسطين. وهذا الشاب ابن المخيم المحروم من العمل في أي شيء، يجرب العيش كباقي سكان الأرض، فيقود «موتوسيكل» متهالكاً ليترزق، ويتذكر فلسطين التي يحبها وينقلها في كل لحظاته، كأن البلاد هي عبد وعبد هو البلاد.
ولذلك في «مرتينة» عبد قدورة كلمات بسيطة طبيعية تستخدمها الناس في حياتها اليومية: «خاوة نجيب النصر خاوة». وكما هذه البساطة المعبرة، هناك القدرة التعبيرية العالية، والتي ظهرت في مكانين: الأول في بعض مقاطع المقدمات، وهنا عليه الانتباه للكتابة النثرية أيضاً، ففيها ومنها الكثير من القدرة على العطاء والتعبير. أما الثاني فجاء في قصيدة «هات النظارة» التي يشرح أنها عن الشهيد باسل الأعرج الذي أخذ أمن السلطة منه نظارته لما اعتقله. فكتب في القصيدة، وهي حوارية بين الضابط السجان وأحد عناصره: «هات النظارة لنشوف، مش عارف إنك مخطوف، سيدي بدو يفتش فيها، جبتا سيدي تفضل شوف»، ويكمل حتى نهايتها فيضيف: «مالك سيدي وليش الخوف، رح احكيها ومش مكسوف، بالنظارة شايف شعبو، ونحنا عميان وما بنشوف».
ولذلك، البارحة، حين اجتمع حشد من الحضور في «الملتقى»، الطابق الأرضي من مبنى جريدة السفير سابقاً، من أجل حفل إطلاق مجموعة الشاعر ابن المخيم عبد قدورة، بدعوة من «النادي الثقافي الفلسطيني»، لم يكن غريباً أن يحتشد عدد كبير من الشباب، فعبد قدورة يكتب بلغة الناس العادية، بلا تحذلق وبلا كلمات وتراكيب لغوية صعبة. وأظن أن هذه المزايا ليست أسرار كتابته الوحيدة، فاللهجة المحكية سبب إضافي، لكن البراعة والبساطة اجتمعتا حتى في قصائد الفصحى القليلة التي تشملها «المارتينه»