عام 1981، تعرّف العالم إلى السيد علي خامنئي: شاب أربعيني ظل ثابتاً بشكل مذهل أثناء إلقاء خطبة صلاة الجمعة في مسجد الصحابي أبي ذر الغفاري جنوبي طهران، رغم محاولة الاغتيال أمام الملأ التي تعرّض إليها بتفجير جهاز تسجيل مفخخ. أدّت المحاولة إلى شلّ يمناه مدى الحياة، لكن نجاته أسهمت في تولّيه رئاسة الجمهورية حتى 1989، خلفاً لمحمد علي رجائي الذي قضى غيلة هو الآخر.
قبل أن يصبح جريحاً، كان خامنئي قد جرّب الأسر أيضاً، لستّ مرات، وذلك إبّان حكم الشاه، إلى أن حمله انتصار الثورة الإسلامية إلى عضوية أول مجلس شورى شكّله الإمام الخميني. إلى جانب هذا المنصب، تمثّل نشاطه الأساسي في تأسيس حزب «جمهوري إسلامي» - التيار الذي كان أشبه بـ«حزب الخميني» -، مع كلّ من هاشمي رفسنجاني، ومحمد بهشتي الذي قضى هو الآخر في تفجير اجتماع الحزب في عام الاغتيال نفسه (1981).
ابن مشهد، عاصمة محافظة خراسان، حمل خلفيات متنوعة؛ فهو من عائلة آذرية تعود بنسبها إلى تبريز، ومن أصول عربية هاشمية، وجدّه لأبيه عاش في النجف العراقية، وهذا ما عزّز إتقانه اللغات الثلاث: التركية والعربية والفارسية. تنقّل في دراسته الدينية بين مدارس حوزتَي مشهد وقم، وبينهما سنتان قضاهما في حوزة النجف في العراق، وقد عرف بولعه بالقراءة والأدب والشعر العربيّين. كما تأثّر برواد الحركة الإسلامية، وتحديداً سيد قطب، فترجم له عدّة أعمال إلى الفارسية، من دون أن يمنعه ذلك، كما روى مرة، من البكاء عندما سمع وهو في السجن بوفاة جمال عبد الناصر.
كانت رئاسته لإيران هي إدارة لحرب الثماني سنوات مع عراق صدام حسين، وفيها برزت الخلافات مع التيار اليساري في حزب «جمهوري إسلامي» بزعامة مير حسين موسوي، رئيس الوزراء آنذاك، وانتهت بحلّ الخميني للحزب وإلغاء منصب رئاسة الوزراء. إثر وفاة مؤسس الجمهورية الإسلامية الإمام الخميني، انتُخب خامنئي سريعاً لمنصب القيادة خلفاً للراحل (ولي فقيه)، فحمل لقب «رهبر انقلاب إسلامى» (أي «قائد الثورة الإسلامية» بالفارسية)، وذلك عبر تعديل دستوري جنّبه شرط أن يكون مرجعاً دينياً.
مثّل خامنئي زعامة لتيار «الدولة الثورية» في التركيبة المتنوّعة للجمهورية الإسلامية
شكّل مع رفسنجاني الذي انتُخب رئيساً للجمهورية خلفاً لخامنئي، ثنائياً طبع حكمُهما مرحلة التسعينيات في البلاد قبل أن يحصل الفراق بين الرجلين لاحقاً. مع الثنائي خامنئي - رفسنجاني، عرفت مدة مطلع التسعينيات في إيران، الخارجة للتوّ من الحرب الدامية، شعار «البناء»، فانصبّ الجهد على تشييد البنية التحتية في المدن والأرياف ودعم التصنيع والإنتاج المحلي وبناء القدرات العسكرية، وتصفير المشاكل الدبلوماسية وصياغة عقيدة أمن قومي بديلة لسياسة الحرب، وتحقيق اندماج نسبي ولو متوتر مع النظام العالمي. بعبارة أخرى، عرفت قيادة خامنئي الانتقال من مرحلة الثورة إلى الدولة. إلا أن ما ميّز خطّ خامنئي بين التيارات الإيرانية هو إصراره على عدم الانسلاخ عن ثورية هذه الدولة، فمثّل زعامة لتيار «الدولة الثورية» في التركيبة المتنوّعة للجمهورية الإسلامية، متمسّكاً بالإيمان بأن الثورة فعل متواصل.
هذه «الدولة الثورية»، وشعارها الذي خطّه خامنئي للسياسة الخارجية: «الحكمة - العزّة - المصلحة»، كانت الحامل لبقاء علاقة الدعم وثيقة بحركات المقاومة في لبنان وفلسطين: «حزب الله» و«حماس» و«الجهاد الإسلامي». لا بل تطوّرت في ظله العلاقة مع المقاومة لتكون متوائمة مع عقيدة إيران للأمن القومي لا متعارضة معها، في مقاربة توفيقية. كما انطبعت صلاته بقادة هذه القوى بحرارة لافتة، تَظهر تحديداً في تسجيلين نشرا مؤخراً للقاءاته بالشهيد الشيخ أحمد ياسين وقيادة «حماس»، وآخر مع الشهيد السيد حسن نصر الله وقيادة «حزب الله».
لا شك في أن محطة فتور علاقة خامنئي برفسنجاني، ومن ثم احتجاجات 2009 (الحركة الخضراء)، مثّلتا صدعاً داخل نظام الجمهورية الإسلامية، إلا أن الموقف الثابت للراحل على وصايا سلفه الخميني، والمسنود من مؤسسة «الحرس الثوري» و«الباسيج» والتيار الثوري، هو ما أبقى على موقع إيران قلعة لمواجهة الغرب وإسرائيل وحصّنها من صفقة مساومة، لكنه الموقف إيّاه الذي دفع ثمنه صبيحة العاشر من رمضان.
عام 1941، وإثر انحياز الشاه الأب رضا بهلوي إلى ألمانيا النازية وعدم سماحه للحلفاء باستخدام قواتهم للسكك الحديدية، اجتمع البريطانيون والسوفيات على غزو إيران وأجبروا الشاه على التنحي عن الحكم لصالح ابنه محمد رضا، فنُفي الأول من البلاد وحَكم الثاني تحت الوصاية. قد تستعيد الذاكرة الإيرانية تلك المحطة في محاكاة لما يريده الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من إزاحة رأس النظام الإيراني الذي تولى القيادة على مدى 37 عاماً. ونجاح هذا من عدمه سيتوقّف على مَن يتابع طريق ذلك الرجل من خراسان، الذي أسهم في إخراج بلاد فارس من الوصاية والضعف والتغريب إلى ريادة استثنائية في الشرق.