«الهاسبارا» الانتخابية: كيف تُلمَّع صورة الاحتلال؟

تتحوّل الانتخابات الإسرائيلية إلى حملة دعائية لإعادة تسويق الاحتلال أمام العالم. بعدما عجزت «الهاسبارا» عن ترميم صورة إسرائيل، بات صندوق الاقتراع أداتها الجديدة، فيما يتولّى الإعلام الإسرائيلي والغربي صناعة أسطورة «الجنرال المعتدل». هكذا، يُقدَّم تغيير الوجوه بوصفه تحوّلاً سياسياً، وتُسوَّق الشخصيات العسكرية باعتبارها بدائل أكثر قبولاً، من دون مساءلة سياساتها

بين هدير الطائرات وطبول الحرب التي لم تهدأ منذ ثلاثة أعوام، والانقسام الداخلي في «المجتمع» الإسرائيلي الذي أجّلت الاستحقاقات «الوجودية» موعد انفجاره، اقترب موعد الانتخابات المُسوّق لها على أنّها «مصيريّة». في الشكل، تبدو المعركة في ظاهرها تنافساً محتدماً بين معسكرين يتنازعان على عدد المقاعد وحجم الائتلافات. غير أنّ المحرّك الأساسي لهذه الانتخابات يتجاوز الصراع الداخلي ليكون بمثابة محاولة لإدارة الأضرار السياسية والإعلامية على المستوى الدولي. يتّفق المعسكران، اليمين الحاكم والمعارضة «الوسطية»، على الركائز الأساسية للعقيدة العسكرية والسياسات الاستيطانية، بينما يقتصر الخلاف بينهما على «الشكل والجماليات».

ويُدار الاستحقاق تحت وطأة عزلة دولية غير مسبوقة، وضغوط قانونية وحقوقية عالمية متزايدة تضع مستقبل «إسرائيل» السياسي والاقتصادي على المحكّ. لذلك في موازاة المعركة الانتخابية، يُدير الاحتلال عمليّة «هاسبارا» كبرى تتنافس فيها القوى السياسية على إقناع العواصم الغربية بأنّ «الدولة» تمتلك آليات للتصحيح الذاتي، عبر تغيير وجه السلطة من دون المساس بجوهر سياساتها العسكرية والاستيطانية.

أزمة «الهاسبارا»

طوال عقود مضت، اعتمدت منظومة «الهاسبارا» (الدعاية الرسمية الإسرائيلية) على حملات رقمية ذكية وشبكات علاقات عامة مصمّمة لإظهار «إسرائيل» كواحة ديمقراطية ليبرالية وسط محيط إقليمي مضطرّب يُغلّف في إطار «همجي». وعملت تل أبيب على الترويج لنفسها بأنها خطّ الدفاع الأوّل عن «العالم الحرّ». وبعد تصدّع هذه السردية لدى الشوارع الغربية بعد حرب الإبادة على قطاع غزة، انتقلت الحكومة الإسرائيلية إلى سياسة مضاعفة ميزانية البروباغندا لمعالجة التبدّل الجذري في النظرة إليها. غير أنّ مئات ملايين الدولارات لم تنفع، وتحطّمت هذه الآلية الكلاسيكية أمام البثّ المباشر للجرائم والانتهاكات المهولة في غزة والضفة الغربية وغيرها.

هكذا، وجدت «إسرائيل» أنّ الرسائل الإعلامية التقليدية عاجزة عن ردم الفجوة الهائلة مع الرأي العام العالمي الذي بات يعرف الحقائق ويرى الواقع بوضوح. لذلك، أدركت المؤسسة السياسية أنّ تسويق الصورة لم يعد ممكناً عبر الخطابات الدبلوماسية، بل عبر تقديم صندوق الاقتراع نفسه كمنتج دعائي. وبينما حذّر بنيامين نتنياهو قبل أيام من ضرورة التهيّؤ للتعايش مع عزلة دولية وعقوبات جديدة في حال بقائه في السلطة، يُروّج المعسكر المعارض لإعادة هيكلة الحكومة بأنّها دليل للغرب على حيوية الديمقراطية الإسرائيلية، وأنّ تغيير المسؤولين كفيل بمسح السجل الميداني لارتكابات القوات الإسرائيلية.

«الجنرال المنقذ»

في قلب هذه الاستراتيجية التسويقية، تستدعي الثقافة السياسية الإسرائيلية مرّة أخرى أسطورة «الجنرال المنقذ». منذ تأسيس الكيان، يُراهَن على تقديم رؤساء الأركان وقادة المؤسسة العسكرية السابقين باعتبارهم البديل «العقلاني» والمنضبط لليمين المتطرّف الحاكم. في هذه الانتخابات، يبرز اسم غادي آيزنكوت على رأس قائمة «يشار» ليُمثّل هذا النموذج بامتياز.

تتخبّط استطلاعات الرأي في تحديد هويّة المتقدّم، مما يُظهر احتدام المنافسة وصعوبة قراءة «الشارع» الإسرائيلي. وتعدّ إحدى أبرز أوراق القوى الانتخابية لآيزنكوت أنّه ليس بنيامين نتنياهو، وهو ما قد يكون كافياً في واحدة من أكثر الانتخابات حرجاً في تاريخ الكيان. أمّا معسكر نتنياهو الإعلامي، فوصلت به الحال إلى وصف آيزنكوت بأنّه «قرد» ذو أصول «مزراحية-مغربية» يُدار من قبل نخب أشكنازية. هذا التصريح أشعل جدلاً واسعاً داخل تل أبيب، لا سيّما أنّ الناخبين من اليهود الشرقيين (المزراحيم) دائماً ما دعموا حزب «الليكود» بزعامة نتنياهو. وبينما من النادر أن يتطرّق آيزنكوت إلى خلفيّته العرقية، إلّا أنّها، في حال فوزه، ستكون سابقة تاريخية بوصفه أوّل رئيس وزراء من اليهود الشرقيين لـ «إسرائيل».

وجدت «إسرائيل» أنّ الرسائل الإعلامية التقليدية عاجزة عن ردم الفجوة مع الرأي العام العالمي

من جهة أخرى، تتجاهل وسائل الإعلام الغربية والوسطية عمداً حقيقة أنّ آيزنكوت، المُروّج له كبديل معتدل وليبرالي، هو نفسه العقل المدبّر لـ «عقيدة الضاحية» القائمة على تدمير البنى التحتية واستخدام القوة العسكرية المفرطة ضدّ المدنيين كوسيلة لردع الخصوم، وهو ما طُبّق بالفعل على دفعتين في عامي 2024 و2026 في ضاحية بيروت الجنوبية. تعمل الماكينة الإعلامية على تصوير وصول المرشّح المعارض كتحوّل نحو السلام، ولكن في واقع الأمر، يعكس رئيس الأركان الأسبق رغبة في إيجاد «مدير تنفيذي» أكثر هدوءاً وقبولاً لدى الطبقة السياسية الغربية. مدير، يعرف كيف يدير آلة الحرب بدبلوماسية ناعمة، من دون الخطابات الشعبوية المتطرفة التي يُطلقها اليمين.

تغيير العلامة التجارية

يلقى غادي آيزنكوت قبولاً في العواصم الغربية أكثر من منافسه رئيس الحكومة الحالي، نتنياهو، المُدان من قبل محكمة العدل الدولية بارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة. و«إعادة التسويق الليبرالية» هذه، تجد صدىً واسعاً وفورياً في هذه العواصم. لكنّ الحكومات في واشنطن والدول الأوروبية، لا تترقّب نتائج الانتخابات انطلاقاً من رغبة حقيقية في تغيير واقع ملايين الفلسطينيين الرازحين تحت الاحتلال والقتل والتهجير والتجويع.

بالنسبة إلى هذه الحكومات، ترى في الوجه الجديد فرصةً للحصول على غطاء سياسي يسمح لها باستئناف صفقات السلاح والعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية المعتادة من دون حرج أمام مواطنيها وضغوط احتجاجات الشارع. بذلك، يمنح صعود الائتلاف «الوسطي»، إن حصل، حلفاء «إسرائيل» بطاقة «براءة ذمّة» مجانية، تتيح لهم الادعاء أمام شعوبهم بأنّ «الديمقراطية انتصرت»، ممّا يعفيهم من فرض عقوبات أو اتخاذ خطوات ملموسة للالتزام بالقانون الدولي وقرارات محكمة العدل الدولية.

على الرغم من صخب السجالات السياسية الانتخابية المحتدمة حول هويّة رئيس الوزراء المقبل، يقف معسكرا نتنياهو والمعارض على أرضية ائتلافية وفكرية واحدة لا تتبدّل. الطرفان يرفضان بشكل قاطع قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة، مع إصرار على إبقاء السيطرة الأمنية من نهر الأردن إلى البحر، مع استبعاد متعمّد ومنهجية واضحة لإقصاء الصوت السياسي للجمهور العربي واليسار الحقيقي الرافض للحرب. في هذا الإطار، لا تزال وسائل الإعلام العبرية تتعامل مع الأحزاب العربية وقوى اليسار المناهض للاحتلال بصفتها عناصر غير مشروعة في معادلة الحكم، مما يُكرّس بنية عنصرية وإقصائية تجعل من «التغيير» المرتقب مجرّد إعادة تدوير داخلي للنخب العسكرية والأمنية اليهودية.

ينكبّ الإعلام الغربي والمعسكر المعارض الإسرائيلي على تصوير استبدال رأس السلطة بأنّه خطوة نحو السلام والمحاسبة، لكنّه في واقع الأمر يعكس التطوير الأحدث والأكثر خطورة لآلية «الهاسبارا». تحاول الاستراتيجية الإعلامية المستحدثة استخدام الديمقراطية الإجرائية كأداة لتلميع السياسات العسكرية وتجميل الاحتلال للاستهلاك الخارجي. أمّا التغيير الحقيقي والعميق، فهو بعيد المنال في ظلّ منظومة سياسية وعسكرية واجتماعية لا تعترف بحقوق الإنسان، وتُحرّكها المآرب التوسعية والهيمنة من دون أي بوصلة أخلاقية.