النسبية النفسية للزمن: قراءة في الدلالات المعرفية والتفسيرات المرجعية – أ.د. يحيى بن محمد شيخ  أبو الخير

تُعنَى «النسبية النفسية للزمن»، وفقاً لعلم النفس العصبي والمعرفي الإدراكي، بتحليل الاختلاف الذاتي في إدراك مرور الوقت والشعور بتسارعه مع التقدم في العمر. ويَزعم مؤيدو هذا الشعور النسبوى أن الزمن يبدو طويلًا في الطفولة، ثم يتخذ في مراحل العمر اللاحقة إيقاعًا يبدو أسرع فأسرع. فما كان عامًا طويلًا في طفولة الإنسان قد يصبح، في منتصف العمر، فترة عابرة، بينما قد ينظر الإنسان في مراحل متقدمة من حياته إلى عقد كامل وكأنه انقضى في زمن قصير. ويربط بول جانيت الشعور بتسارع مرور الزمن مع التقدم في العمر بنسبة الفترة الزمنية الجديدة إلى مجموع ما عاشه الإنسان، فتمثل السنة الواحدة الجديدة، وفق هذا الربط، نحو 20 % من حياة طفل في الخامسة من عمره، بينما تمثل لشخص عمره 80 عاما نحو 1.25 % من حياته. ولذلك كلما طال عمر الإنسان تصبح الوحدة الزمنية الجديدة، حسب هذه التقديرات المجازية الحدسية غير الفيزيائية، أصغر نسبياً بالنسبة الى الخبرة الزمنية المتراكمة، فتبدو وكأنها تمر بسرعة أكبر. ويُعَامِلُ هذا التفسير الحدسي الذاكرة وكأنها مسجل يُخَزَّنٌ بانتظام خطي، في حين أن الذاكرة البشرية انتقائية وتعمل وفق شبكات ديناميكية غير خطية. كما لم يفرق هذا التفسير بين الوقت الفيزيائي الواقعي الممارس في حينه والشعور بمرور الوقت بعد انقضائه فيزيائياً، أي أنه لم يفرق بين إدراك الوقت الحقيقي بثوانيه ودقائقه وساعاته وما الى ذلك أثناء حدوثه وبين الوقت الشعوري الحدسي التخميني بعد انقضاء وقت حدوثه. وقد ميز الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في هذا الصدد بين هذين الوقتين في سورة النازعات فقال تعالى في الآية 42 « يسألونك عن الساعة أيان مرساها» أي يسألونك عن وقت حدوثها الفيزيائي تحديداً، إلى أن قال في الآية 46 من السورة نفسها « كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا الا عشية أوضحاها « مشيرا بذلك الى الوقت الشعوري بقيام الساعة الذي قرنه الله في الآية بلفظة التشبيه «كأن» ليقرر عز من قائل دقة الفرق بين الوقتين الفيزيائي والشعوري من ناحية، وليبين عزوجل من ناحية أخرى أن الوقت الذي يحس به الإنسان حين قيام الساعة هو الوقت الشعوري وليس الوقت الفيزيائي الحقيقي في حد ذاته. ولم يكتف الله عزوجل بذلك التمييز السردي للوقت حين قيام الساعة فحسب، بل مَيَّزَ أيضاً بين هذين الوقتين في مرحلة بعد البعث فقال تعالى في سورة البقرة الآية 259 « فأماته اله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثتَ قال لبثتُ يوما أو بعض يوم قال بل لثبت َمائة عام- الآية». وعلى الرغم من ان الله تعالى قد أقر في الآيتين السابقتين وجود الوقتين الفيزيائي والشعوري كل بحسب سياقه في القرآن، إلا أنه مقت في سياق آخر من كتابه الكريم من يوظف الزمن الشعوري تبريراً لنقص أدائه العقدي والسلوكي عل حساب تغييبه عن قصد للزمن الفيزيائي هروباً من المحاسبة والعقاب. فقال تعالى في سورة الروم الآية 55 واصفاً هذا السلوك بالإفك {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ} (55) سورة الروم. وقد رد الله في الآية 55 من السورة نفسها إفك هؤلاء في الآخرة الى الزمن الذي عاشوه فعلاً في أولاهم من يوم خلقهم عبوراً بالبرزخ الى يوم بعثهم فقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (56) سورة الروم. وللأسف لم تُعِر الأطر المرجعية للنسبية النفسية للزمن قديماً وحديثاً بالاً لهذه القضايا القرآنية التي سجل فيها القرآن قصب سبق فريدٍ تحققاً ووقوعاً ومشاهدةً. وقد تحول هذا الحدس النسبوى حديثاً إلى أنساق بحثية ودراسات ميدانية وتجريبية تُسبَر عبر عدد من المتغيرات كالعمر والحالة النفسية والمشاعر وكمية المعلومات المخزنة في الذاكرة والجِدّة والانتباه والمعالجة المعرفية والسلوكية. انظر مثلاً:

Wittmann et.al., 2005; Friedman et. al., 2010; Droit et.al., 2019; Bejan A., 2019; Teghil et.al., 2026))