حين أتاحت منصة (X) في أواخر العام الماضي معرفة البلد الذي تُدار منه الحسابات، تبيّن أن حسابات كثيرة تتحدث بلسان شعوب الخليج العربي وتتقمص غيرتها الوطنية، وهي حسابات تُدار من قارات أخرى. وقوة منصات التواصل لم تأت من فراغ. لقد نمت وترعرعت حين نقلت الحكومات والشخصيات العامة جانبًا كبيرًا من نشاطها وخطابها من ساحة الإعلام التقليدي إلى منصات التواصل الاجتماعي التي يصعب ضبطها وتحديد المسؤولية عما يُنشر فيها.
وهذا الانتقال تطلب الإنفاق المالي الواسع على الترويج والتسويق الذي صنع المشاهير!! وهذا فتح الباب لادمان (حلاوة الأموال السريعة السهلة!). لذا، مشكلة تغوّل هذه المنصات لم تنشأ من فراغ، فقد أسهمت حكومات وجهات رسمية وشخصيات عامة في تغذيتها، حين وظفتها في الصراعات والمناكفات، ومنحت التراشق غطاءً وشجعت الآخرين عليه. وقد وثّق معهد أكسفورد للإنترنت، في تقاريره عن (الدعاية الحاسوبية)، حملات تلاعب منظمة بوسائل التواصل في أكثر من 80 دولة، تديرها أو ترعاها حكومات وأحزاب، ويستعين بعضها بشركات متخصصة في صناعة الحسابات الوهمية.
وقد منح هذا التدخل الاعتباري الرسمي للكيانات والأشخاص المنصات وحساباتها قوة انتشار وتأثير، وجعلها ساحة رئيسية لتشكيل الرأي العام. لكن القدرة على منح هذه الساحة المعنى والقوة لا تعني القدرة على السيطرة عليها؛ فقد اختلط فيها الحابل بالنابل، وتداخل الخطاب الرسمي مع أصوات مجهولة تتحدث باسم الأوطان وتتقمص الغيرة على مصالحها وتؤجج الخصومات بين شعوبها.
وهكذا (خرج المارد من القمقم)، وأصبح سيل الغوغائية الإلكترونية لا ينقطع، تنقل المنصات إساءاته إلى ملايين الناس في لحظات، وتعيد تداولها كلما أوشكت أن تُنسى. ومن هنا، تتحمل الحكومات والرموز التي أسهمت في صعود هذه المنصات المسؤولية الأساسية في مهمة احتواء تبعاتها وحماية العلاقات بين الشعوب من عبثها. (على المستوى الخليجي راينا تحركات حكومية جاده فرحنا بها، ولعلها تتوسع عربيا وإسلاميا).
والتحرك الحكومي ضروري لأن مصالح الشعوب أمانة في يدها، فلا يجوز أن تُترك لتحصد ما يزرعه المحرضون والمرجفون بينها، ومنهم من لا يعرف أرضها ولا يشاركها مصيرها. فنحن أمام سيف ذي حدين. يستطيع الناس استخدام وسائل التواصل للدفاع عن القضايا العادلة، وحماية أوطانهم وهويتهم ومصالحهم العليا، وقد يتحول هذا السلاح نفسه إلى أداة تجرح مجتمعاتهم وتفسد علاقاتهم بأشقائهم. وبين الاستخدامين تقع مسؤولية كبيرة، تبدأ من معرفة الحقيقة، وتمتد إلى تقدير أثر الكلمة وعواقب نشرها وإعادة تداولها. ونستحضر هنا التحذير القرآني: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25]. وهو تحذير يستدعي التأمل في عواقب الفتن؛ فقد يتسع ضررها ليصيب من لم يشعلها، وهو ما كان محور الطرح في مقالي السابقين.
ومن الضروري هنا إنصاف المواطن الذي يستثمر هذه المنصات للدفاع عن بلاده بصدق ومعرفة، مدفوعًا بوطنيته وخوفه على أمنه ومستقبله. فهو يؤدي واجبًا وطنيًا بجهده ووقته، وصوته أبلغ أثرًا من (مؤسسات ومجموعات إعلامية وحملات علاقات عامة) تُنفق عليها الأموال الضخمة؛ حين يتحدث المواطن فإنه يتحدث من تجربة وانتماء، ويخاطب أناسًا يعرفونه ويثقون به. بل إن نشاط هؤلاء المواطنين يكشف أحيانًا قصور إعلام تتوافر له الموارد الواسعة ويعجز عن تقديم رواية او سردية واضحة ومتماسكة تشرح مواقف الدولة ومصالح المجتمع، وتعين الرأي العام على فهم الأحداث والمدلهمات الكبرى. لذا من حق المواطن على الجهات الرسمية أن يجد المعلومة الموثوقة والتفسير المقنع اللذين يسترشد بهما، حين يبادر طوعًا إلى الدفاع عن وطنه.
وهذه الروح الوطنية مهم (حمايتها من الاستغلال). فقد يُستدرج المغرد الوطني المخلص لبلاده إلى ترويج خبر كاذب، أو التعميم على أمة بأسرها بجريرة فرد، أو توسيع خلاف يخدم خصوم بلاده، وقد يكون من استدرجه حسابًا يدّعي أنه ابن البلد كذبا وزورا.
من هنا أقترح أن تتبنى (منظمة التعاون الإسلامي) تأسيس (جمعية أهلية دولية للوعي والسلام الرقمي) تحت مظلتها ورعايتها مع دعوة الدول والمؤسسات والأفراد إلى دعمها، وتمكّنها من العمل المهني المستمر المستقل. جمعية تفتح أبوابها للخبراء والجامعات والجمعيات والشباب، حتى تجمع مبادرات أصحاب التوجهات الوطنية الصادقة لزيادة أثرها.
وقد يُطرح السؤال: ما الذي تضيفه هذه الجمعية، خصوصا أن للمنظمة مرصدا لـ (الإسلاموفوبيا) يرصد ويوثق ويصدر التقارير منذ سنوات، وهناك مركز (صوت الحكمة) الذي أنشأته المنظمة لتوجيه رسائل مضادة لخطاب التطرف، وفي الرياض المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف (اعتدال)؟ والجواب: هذه التجارب رصيد يُبنى عليها وليست بديلا. الجمعية المقترحة تختلف عنها في ثلاثة أمور: فهي اولا، أهلية تقوم على مشاركة المجتمع لا على الخطاب الرسمي، وثانيا تُعنى بالعلاقات بين الشعوب الإسلامية نفسها لا بصورة الإسلام عند الآخر وحده، وثالثا تعمل في الوقاية والتصحيح وجبر الأثر لا في الرصد والتوثيق فحسب.
إن رفض الإساءة إلى المسلمين يْحمّلنا مسؤولية أخلاقية تجاه ما نتبادله نحن من إساءات فيما بيننا. فالشعوب الإسلامية تحتاج إلى حماية علاقاتها من خطاب الكراهية، ومن محاولات تحويل الاختلاف السياسي أو المذهبي أو الثقافي إلى خصومة دائمة بين المجتمعات، والاسوأ: الفُجر في الخصومة!وقيم العدل والتثبت وصيانة الكرامة التي ندافع عنها أمام العالم ينبغي أن نقتدي بها وتظهر جلية في حواراتنا. ومن هنا تستمد هذه المبادرة مشروعيتها الاجتماعية والدينية، وقدرتها على مخاطبة الناس من داخل القيم التي يؤمنون بها.
ويبقى سؤال يحق للقارئ المهتم طرحه: إذا كانت جهات رسمية قد أسهمت في إطلاق المارد، فكيف نطمئن إلى جهد جمعية تعمل تحت مظلة منظمة رسمية؟ والجواب: المظلة شيء والوصاية شيء آخر، فرعاية المنظمة تمنح الجمعية الشرعية والانتشار، وتعزز مصداقيتها المبنية على استقلالها المهني، مع رعاية مجلس أمناء من الخبراء والأكاديميين وممثلي المجتمع المدني، ومصادر تمويل معلنة ومتعددة؛ وكل هذا لاجل منع احتكارها.
ويعزز هذا وجود معايير منشورة للتحقق والتصحيح تُطبَّق على الجميع، بمن فيهم الدول الراعية والداعمة حين يصدر التحريض من منابرها. هذه الحوكمة سوف تضمن ثقة الناس فيها. وتستطيع الجمعية، برعاية المنظمة، بناء علاقات مع المؤسسات الدولية والنخب في الجاليات الإسلامية حول العالم، ومع الخبراء وشركات التقنية والجمعيات الإنسانية.
في عالمنا أساليب الاستدراج واحدة، سواء استهدفت إشعال فتنة بين شعبين أو جرّ الشباب إلى عالم الشبكات المظلمة حيث عالم الإرهاب والجريمة المنظمة والمخدرات والاحتيال والابتزاز المالي، وغسيل الأموال. الوعي بما وراء أسوار هذا العالم المخيف والتحقق من هوية المتواصل يحميان من صور متعددة من الاستغلال، ويتكاملان مع جهود الجهات المختصة في الوقاية وتيسير الإبلاغ وحماية الضحايا. وتبقى للحكومات مسؤوليتها الأمنية، بما تملكه من أجهزة تحقيق وأدوات تتبع وتعاون دولي لملاحقة الشبكات المنظمة.