القريب يحدّها والبعيد يطلقها.. لماذا تحرص إسرائيل على التطبيع مع البعيد؟ – ثامر بن عبدالله السبيعي (ابن سعران)

مضى على قيام إسرائيل ثمانية وسبعون عاماً، ولم تُعلن حدودها قط. ولم يكن ذلك سهواً. فقد سُئل بن غوريون عشية إعلان الدولة في مايو 1948 عن تعيين حدودها، فأجاب بما دوّنه في مذكراته: «حين نعلن الدولة لسنا مضطرين إلى تحديد الحدود». وطلب ألا يُذكر في وثيقة الإعلان شيء عنها. فخرجت الوثيقة بلا خط.

ومن هنا يبدأ السؤال: إذا كانت الدولة لا تعلن حدودها، فمن يرسمها؟

لا يوجد في القانون الإسرائيلي نص يعيّن إقليم الدولة. لا وثيقة الإعلان تفعل ذلك، ولا أي «قانون أساس» من القوانين التي تقوم مقام الدستور.

- في 1980 صدر «قانون أساس: القدس» فجعل القدس «كاملةً موحدة» عاصمةً.

- في 1981 صدر قانون الجولان، ومدّ القانون الإسرائيلي إلى الهضبة السورية المحتلة.

- في 19 يوليو 2018 صدر «قانون أساس: إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي». ونصت مادته السابعة على أن الدولة تعدّ تطوير الاستيطان اليهودي قيمةً قومية، وتعمل على تشجيعه وتعزيزه.

فالقانون الذي لا يرسم حداً يُضيف أرضاً. وما يضيفه بقانون داخلي لم يعترف به أحد. فقد عدّ مجلس الأمن قرار ضم الجولان لاغياً وباطلاً في قراره 497 (1981)، وقرر في القرار 2334 (2016) أن المستوطنات لا شرعية قانونية لها.

إسرائيل التي لا تعلن حدودها رسمتها مرتين بمعاهدة، وفي المرتين كان الراسم دولة من دول الطوق.

مع مصر: وُقّعت معاهدة السلام في 26 مارس 1979. ونصت مادتها الثانية على أن الحدود الدائمة بين البلدين هي الحدود الدولية المعترف بها بين مصر وأرض فلسطين التي كانت تحت الانتداب، كما في الخريطة المرفقة (الملحق الثاني)، «دون المساس بمسألة وضع قطاع غزة»، وأن الطرفين يعترفان بأن هذه الحدود مصونة لا تُمس.

ثم اختُبر هذا الحد في طابا. اختلف البلدان على مواضع علامات حدودية، فاحتكما إلى هيئة تحكيم دولية. وصدر حكمها في 29 سبتمبر 1988 لمصلحة مصر، فانسحبت إسرائيل من طابا في مارس 1989. حدٌّ مرسوم بمعاهدة، ونزاع حُسم بتحكيم، وانسحاب نُفّذ.

مع الأردن: وُقّعت معاهدة السلام عند معبر وادي عربة في 26 أكتوبر 1994. ونصت مادتها الثالثة على أن الحدود الدولية بين البلدين تُرسم بالإحالة إلى تعريف الحدود زمن الانتداب، كما في الملحق الأول بخرائطه وإحداثياته. وهي «الحدود الدولية الدائمة والآمنة والمعترف بها»، «دون المساس بوضع أي أراضٍ وقعت تحت سيطرة الحكم العسكري الإسرائيلي في 1967». وفي المعاهدة نفسها ترتيب خاص لمنطقتي الباقورة والغمر تحت السيادة الأردنية. وحين انتهت مدته لم يجدده الأردن، فاستعاد المنطقتين كاملتين في نوفمبر 2019.

ومع لبنان: لا معاهدة سلام، لكن في 27 أكتوبر 2022 رُسم الحد البحري بوساطة أمريكية. وقّع كل طرف رسالته منفرداً في الناقورة، بلا اعتراف متبادل. أما الحد البري فما زال خطاً أزرق لا حدوداً مرسومة. ومع سوريا لا حد إلا خط فك الاشتباك لعام 1974، وخلفه جولان مضموم بقانون داخلي.

وفي نص المعاهدتين ما يستحق الوقوف. كلتاهما رسمت الحد، ثم استثنت الأرض الفلسطينية: «دون المساس بمسألة وضع قطاع غزة» في الأولى، و«دون المساس بوضع» أراضي 1967 في الثانية. فالحدود التي رُسمت كلها حدود مع دول الطوق. والحد الوحيد الذي لم يُرسم قط هو الحد مع فلسطين.

من عقيدة الأطراف إلى «السلام مقابل السلام»

في خمسينيات القرن الماضي صاغ بن غوريون ما عُرف بعقيدة الأطراف: تحالفات مع دول بعيدة غير عربية في أطراف الإقليم، هي إيران وتركيا وإثيوبيا، لتتخطى إسرائيل الطوق العربي الذي يحيط بها وتطوّقه من خلفه.

وفي أغسطس 2020، بعد إعلان التطبيع مع الإمارات، قال نتنياهو إن الاتفاق يطوي صيغة «الأرض مقابل السلام» ويضع مكانها «السلام مقابل السلام». والصيغة الجديدة امتداد للعقيدة القديمة: التطبيع مع البعيد يعطي إسرائيل اعترافاً لا تدفع ثمنه. فالبعيد لا يجاورها، فلا يطلب منها حداً. وإن لم يشترط الدولة الفلسطينية، فلا يطلب منها أرضاً.

وهنا يتضح الفرق بين القريب والبعيد. تطبيع القريب كلّف إسرائيل حدوداً: سيناء كلها، ثم طابا بالتحكيم، ثم الباقورة والغمر. أما تطبيع البعيد فيمنحها الشرعية وحدودها مفتوحة. فالقريب يحدّها، والبعيد يطلقها. ولهذا تحرص على البعيد أكثر من القريب.

فإن صحّ هذا، فالقاعدة التي تقلب المعادلة بسيطة:

- دول الطوق تطبّع لترسم الحد. فكل معاهدة معها خطٌّ يقيّد التمدد. وقد شهدت سيناء وطابا ووادي عربة أن إسرائيل تقبل الحد حين يكون البديل أكلف.

- والدول خارج الطوق تمسك ورقة الاعتراف حتى يُرسم الحد الأخير، الحد مع فلسطين، على خطوط 1967.

وهذه القاعدة ليست اقتراحاً على الورق. فهي ما أعلنته المملكة صراحةً. ففي 7 فبراير 2024 أعلنت وزارة الخارجية أنه «لن يكون هناك علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ما لم يتم الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967م وعاصمتها القدس الشرقية». وأكد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان المعنى نفسه أمام مجلس الشورى في 18 سبتمبر 2024. فالاعتراف هنا ليس جائزة تُمنح، بل ثمن يُطلب: الحد مقابل الاعتراف.

لن توافق إسرائيل على هذه القاعدة طوعاً، لأنها تقلب ترتيب أولوياتها. فهي تريد البعيد بلا ثمن، والحد مع القريب بأقل ثمن، والحد مع فلسطين بلا حد. لكن القاعدة لا تحتاج إلى موافقتها، فالورقة بيد من يمسكها. ورفض إسرائيل لا يُسقط القاعدة، بل يُبقي الثمن معلقاً حتى تدفعه.

والثغرة الحقيقية ليست في الموقف الإسرائيلي، بل في تماسك من هم خارج الطوق. فكل اعتراف يُعطى قبل أن يُرسم الحد مع فلسطين يُضعف الورقة في يد الجميع. وتبقى القاعدة قوية بقدر ما يتمسك بها من لم يطبّع بعد.

دولة لم تكتب حدودها في وثيقة قيامها، ولا في قوانينها، لا تُحدّ إلا بمعاهدة. وقد رسمت المعاهدات حدودها مع مصر والأردن، ولم يبقَ إلا الحد الذي يقوم عليه السلام كله.

القريب يحدّها، والبعيد يطلقها؛ فليبقَ البعيد على شرطه حتى تُحدّ.

مضى على قيام إسرائيل ثمانية وسبعون عاماً، ولم تُعلن حدودها قط. ولم يكن ذلك سهواً. فقد سُئل بن غوريون عشية إعلان الدولة في مايو 1948 عن تعيين حدودها، فأجاب بما دوّنه في مذكراته: «حين نعلن الدولة لسنا مضطرين إلى تحديد الحدود». وطلب ألا يُذكر في وثيقة الإعلان شيء عنها. فخرجت الوثيقة بلا خط.

ومن هنا يبدأ السؤال: إذا كانت الدولة لا تعلن حدودها، فمن يرسمها؟

لا يوجد في القانون الإسرائيلي نص يعيّن إقليم الدولة. لا وثيقة الإعلان تفعل ذلك، ولا أي «قانون أساس» من القوانين التي تقوم مقام الدستور.

- في 1980 صدر «قانون أساس: القدس» فجعل القدس «كاملةً موحدة» عاصمةً.

- في 1981 صدر قانون الجولان، ومدّ القانون الإسرائيلي إلى الهضبة السورية المحتلة.

- في 19 يوليو 2018 صدر «قانون أساس: إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي». ونصت مادته السابعة على أن الدولة تعدّ تطوير الاستيطان اليهودي قيمةً قومية، وتعمل على تشجيعه وتعزيزه.

فالقانون الذي لا يرسم حداً يُضيف أرضاً. وما يضيفه بقانون داخلي لم يعترف به أحد. فقد عدّ مجلس الأمن قرار ضم الجولان لاغياً وباطلاً في قراره 497 (1981)، وقرر في القرار 2334 (2016) أن المستوطنات لا شرعية قانونية لها.

إسرائيل التي لا تعلن حدودها رسمتها مرتين بمعاهدة، وفي المرتين كان الراسم دولة من دول الطوق.