كلما أضاءت المملكة شمعة في عيدها الوطني، خرج علينا من يحمل للفرح دفتر حساب، يسأل السوداني المحب: لماذا تفرح، ومن دفع لك ثمن هذا الفرح، كأن المحبة لا تولد إلا من حوالة مصرفية، وكأن الوفاء وظيفة لها راتب وساعات دوام، وقد نسي هؤلاء أن في الدنيا مشاعر لا تصدر بها فواتير، وأن بعض الأوطان تسكن أهلها، وبعضها يتسع حتى يسكن قلوب الآخرين.
نفرح باليوم الوطني السعودي لأن المملكة ليست بلدًا عابرًا في خريطة العرب، ولا اسمًا يرد في نشرات السياسة ثم يغيب، فهي مهوى الأفئدة وقبلة المسلمين، إليها تتجه الوجوه خمس مرات في اليوم، وفي أرضها أول بيت وضع للناس، وعلى ترابها مشت سيرة النبوة، ومن ذا الذي يطلب من مسلم أن يعتذر عن فرحه ببلاد الحرمين، أو يزن محبته لها بميزان الحدود والجوازات.
ويغيظ فرحنا أولئك الذين يريدون للمملكة أن تبقى وحيدة كي يسهل النيل منها، ويريدون للسوداني أن يكون جاحدًا كي يصلح جنديًا في معاركهم، فإذا رفع علمها قالوا تطبيل، وإذا ذكر فضلها قالوا ارتزاق، ولو أنصفوا لعلموا أن الارتزاق الحقيقي هو أن يقبض المرء ثمن الإساءة، وأن يبيع ضميره في سوق الخصومة، ثم يرتدي ثوب الوطنية أمام الناس.
في حكام المملكة بقية الفرسان العرب، أولئك الذين يعرفون أن القوة أخلاق قبل أن تكون سلاحًا، وأن الزعامة نجدة قبل أن تكون منصبًا، وقد ورث الملك سلمان بن عبدالعزيز عزم المؤسس ووقاره، وحمل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مشروع وطن لا يكتفي بمكانه في العالم، إذ يصنع مكانه بيد أبنائه، ويقود نهضة لا تستأذن المترددين ولا تنتظر شهادة المنصفين.
أما نحن السودانيين، فلنا مع المملكة دفتر لا تسقط صفحاته بالتقادم، فقد بقي موقفها ثابتًا تجاه أمن السودان واستقراره وسيادته ووحدة أراضيه، ولم تتخذ من جرحه بابًا للمساومة، ولم تجعل من محنته موسمًا للمزايدة، وسعت إلى إيقاف الحرب وجمع الفرقاء، وفتحت أبوابها لأبنائه، وقدمت عونها للمتضررين، وظلت تتعامل مع السودان بوصفه وطنًا شقيقًا يستحق النجاة، لا غنيمة تبحث عن مقتسمين.
ومن جدة خرجت مساعي السلام، ومن الرياض ظل النداء واضحًا بأن السودان للسودانيين، لا ساحة لمشروعات الطامعين ولا معبرًا لأحلام صغار الجغرافيا، وظل المجلس الأعلى للتنسيق السعودي السوداني شاهدًا على علاقة تقوم على المصالح الكبرى وروابط التاريخ، لا على الصور العابرة ومجاملات المناسبات.
لهذا نفرح، ولا نخفض صوتنا إرضاءً لمن تؤلمه راية المملكة، فنحن لا نستبدل السودان بوطن آخر، ولا ننقص من محبته قدر ذرة، غير أن القلب الكريم يتسع لوطنه ولمن أحسن إلى وطنه، والسوداني الذي يحفظ للمملكة جميلها أوفى بسودانيته من رجل يسيء إليها طلبًا لرضا ممول أو تنفيذًا لأجندة لا ترى في السودان سوى ميناء وثروة وجندي رخيص.
سيظل اليوم الوطني السعودي عيدًا يخصنا من جهة العقيدة والعروبة والوفاء، وسنفرح به في وجه الكارهين، لا عنادًا فيهم وحده، ولكن اعترافًا بفضل وطن صار للعرب ظهرًا وللمسلمين قبلة وللسودان أخًا، ومن أغاظه هذا الفرح فليغتظ، فالمملكة لا تحتاج إلى شهادة حاقد، والمحبة التي تسندها المواقف لا تهزمها ضوضاء المرتزقة.
كلما أضاءت المملكة شمعة في عيدها الوطني، خرج علينا من يحمل للفرح دفتر حساب، يسأل السوداني المحب: لماذا تفرح، ومن دفع لك ثمن هذا الفرح، كأن المحبة لا تولد إلا من حوالة مصرفية، وكأن الوفاء وظيفة لها راتب وساعات دوام، وقد نسي هؤلاء أن في الدنيا مشاعر لا تصدر بها فواتير، وأن بعض الأوطان تسكن أهلها، وبعضها يتسع حتى يسكن قلوب الآخرين.
نفرح باليوم الوطني السعودي لأن المملكة ليست بلدًا عابرًا في خريطة العرب، ولا اسمًا يرد في نشرات السياسة ثم يغيب، فهي مهوى الأفئدة وقبلة المسلمين، إليها تتجه الوجوه خمس مرات في اليوم، وفي أرضها أول بيت وضع للناس، وعلى ترابها مشت سيرة النبوة، ومن ذا الذي يطلب من مسلم أن يعتذر عن فرحه ببلاد الحرمين، أو يزن محبته لها بميزان الحدود والجوازات.
ويغيظ فرحنا أولئك الذين يريدون للمملكة أن تبقى وحيدة كي يسهل النيل منها، ويريدون للسوداني أن يكون جاحدًا كي يصلح جنديًا في معاركهم، فإذا رفع علمها قالوا تطبيل، وإذا ذكر فضلها قالوا ارتزاق، ولو أنصفوا لعلموا أن الارتزاق الحقيقي هو أن يقبض المرء ثمن الإساءة، وأن يبيع ضميره في سوق الخصومة، ثم يرتدي ثوب الوطنية أمام الناس.
في حكام المملكة بقية الفرسان العرب، أولئك الذين يعرفون أن القوة أخلاق قبل أن تكون سلاحًا، وأن الزعامة نجدة قبل أن تكون منصبًا، وقد ورث الملك سلمان بن عبدالعزيز عزم المؤسس ووقاره، وحمل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مشروع وطن لا يكتفي بمكانه في العالم، إذ يصنع مكانه بيد أبنائه، ويقود نهضة لا تستأذن المترددين ولا تنتظر شهادة المنصفين.
أما نحن السودانيين، فلنا مع المملكة دفتر لا تسقط صفحاته بالتقادم، فقد بقي موقفها ثابتًا تجاه أمن السودان واستقراره وسيادته ووحدة أراضيه، ولم تتخذ من جرحه بابًا للمساومة، ولم تجعل من محنته موسمًا للمزايدة، وسعت إلى إيقاف الحرب وجمع الفرقاء، وفتحت أبوابها لأبنائه، وقدمت عونها للمتضررين، وظلت تتعامل مع السودان بوصفه وطنًا شقيقًا يستحق النجاة، لا غنيمة تبحث عن مقتسمين.
ومن جدة خرجت مساعي السلام، ومن الرياض ظل النداء واضحًا بأن السودان للسودانيين، لا ساحة لمشروعات الطامعين ولا معبرًا لأحلام صغار الجغرافيا، وظل المجلس الأعلى للتنسيق السعودي السوداني شاهدًا على علاقة تقوم على المصالح الكبرى وروابط التاريخ، لا على الصور العابرة ومجاملات المناسبات.
لهذا نفرح، ولا نخفض صوتنا إرضاءً لمن تؤلمه راية المملكة، فنحن لا نستبدل السودان بوطن آخر، ولا ننقص من محبته قدر ذرة، غير أن القلب الكريم يتسع لوطنه ولمن أحسن إلى وطنه، والسوداني الذي يحفظ للمملكة جميلها أوفى بسودانيته من رجل يسيء إليها طلبًا لرضا ممول أو تنفيذًا لأجندة لا ترى في السودان سوى ميناء وثروة وجندي رخيص.
سيظل اليوم الوطني السعودي عيدًا يخصنا من جهة العقيدة والعروبة والوفاء، وسنفرح به في وجه الكارهين، لا عنادًا فيهم وحده، ولكن اعترافًا بفضل وطن صار للعرب ظهرًا وللمسلمين قبلة وللسودان أخًا، ومن أغاظه هذا الفرح فليغتظ، فالمملكة لا تحتاج إلى شهادة حاقد، والمحبة التي تسندها المواقف لا تهزمها ضوضاء المرتزقة.
الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.
أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.