ليس أفدح في مآسي الوجود من إنسان استكمل للحياة أسبابها، واستوفى من العافية نصيبه، وبسط له في فسحة الأجل، ثم طويت صحيفة أيامه، فما استخرج من كنوزها مكرمة، ولا استنبت في رياضها فضيلة، ولا خلف في مسارح الوجود أثرا يشهد بأن روحا عرفت شرف رسالتها قد مرت من هاهنا! وإن من الناس من تحصى أعمارهم بما تعاقب عليهم من السنين، ومنهم من توزن أعمارهم بما أودعوا في تلك السنين من المآثر؛ فأولئك عاشوا في الزمان حتى استنفدهم، وهؤلاء أودعوا الزمان من آثارهم ما بقي بعدهم. وما كل من امتد به العمر اتسعت به الحياة، ولا كل من قصر أجله ضاق به ميدان الأثر؛ فرب عمر طويل لم يترك وراءه إلا عددا، ورب عمر قصير ترك من الخير ما لا تحصيه الأعوام. ولقد أقسم الله بالعصر، ثم قرن هذا القسم بإعلان الخسران الذي يحيق بالإنسان، واستثنى منه أهل الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر، فقال سبحانه: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}. فما أبلغ أن يقسم بالزمان على خسران الإنسان، ثم يجعل سبيل النجاة من ذلك الخسران إيمانا يصلح الباطن، وعملا يثمر في الظاهر، وحقا تتواصى به النفوس، وصبرا تستقيم به العزائم! كأن السورة تضع العمر كله في ميزان لا يعتد فيه بمجرد امتداد الأيام، وإنما بما حملته من حقائق الإيمان وفضائل الأعمال. وما أشد التفاوت بين نفس تتصرم أيامها وهي تزداد رفعة واكتمالا، ونفس تتكاثر أعوامها وهي لا تزداد إلا خواء واضمحلالا؛ كأن الأولى تنفق من عمرها لتربح ذاتها، والأخرى تنفق من ذاتها لتخسر عمرها! وليس الفراغ في حقيقته خلو الساعات من الشواغل، وإنما هو خلو الروح من المقاصد السامية، واستقالة العزيمة من تبعات الوجود، وانحسار الهمة عن الآفاق التي خلقت لتسمو إليها. فقد يخلو المرء من أشغال الدنيا وقلبه معمور بحقائق الإيمان، وعقله موصول بمناهل الحكمة، وضميره متوثب إلى وجوه الإحسان، فلا يكون فراغه إلا ضربا من الامتلاء؛ وقد تتزاحم على آخر شواغل الحياة، وهو في جوهره خلاء موحش، لا يتردد في أرجائه إلا صدى الأهواء، ولا تتحرك في أعماقه إلا خواطر لا تثمر علما، ولا تنشئ فضيلة، ولا تقيم لصاحبها وزنا في ميزان الأعمال. فالفراغ الذي يخشى على الإنسان منه ليس فراغ اليد من العمل، بل فراغ القلب من الغاية؛ وليس سكون الجوارحين تستريح، بل سكون الإرادة حين تستقيل من معنى الحياة. وإن النفس إذا لم تجد من المعالي ما تستغرق فيه قواها، وجدت في الصغائر ما تستنزف به تلك القوى؛ وإذا لم تفتح لها أبواب البناء، لم تعدم أن تتوهم في كل زاوية بابا للخصومة؛ وإذا ضاقت عن حمل الواجبات الجليلة، اتسعت لحمل المظالم المتخيلة، حتى يغدو ما كان هينا في ميزان العقل جسيما في ميزان الهوى. وهنا تتجلى إحدى أدق علل النفوس: أنها قد تعجز عن احتمال فراغها، فتملؤه بما يؤذيها؛ وتضيق بسكون حياتها، فتستثير من الأوهام ما يقلقها؛ وتفتقر إلى غاية تصلح بها شأنها، فتبتدع من الظنون ما تفسد به سكينتها وسكينة غيرها. فإذا استبد الفراغ بنفس لم تهذبها البصيرة، ولم تسسها المروءة، ولم تشغلها المطالب الجليلة، أطلق من نوازع الوهم ما كان كامنا، واستثار من رواسب الضغينة ما كان ساكنا؛ حتى تستحيل الخواطر العابرة أحكاما جائرة، والظنون الواهية حقائق قاطعة، والهفوات اليسيرة جنايات لا تغتفر، وتغدو النفس خصما وحكما وجلادا في محكمة لا تنقضي خصوماتها ولا ترفع جلساتها. وكم من مودة أزهقها فراغ مستحكم، وكم من ألفة نال منها خاطر متوهم، وكم من بيت كانت تظلله السكينة حتى تسلل إليه خواء النفوس؛ فإذا الكلمات تحمل فوق معانيها، وإذا السكوت يفسر على غير مراده، وإذا الهفوة تستحضر لها سوابق العتاب، وإذا المحبة التي كان يكفيها صفاء القلب لا يكفيها بعد ذلك ألف اعتذار! وما أحوج هذه النفوس إلى هداية القرآن حين يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}. فإن من الظنون ما يبدأ خاطرا لا سلطان له، ثم تستضيفه النفس الغافلة، وتطيل محاورته، وتستدعي له من الأوهام ما يؤيده، حتى يصبح في شعورها يقينا تخاصم عليه، وتعاقب غيرها بمقتضاه؛ وما كان له من الحقيقة نصيب! وليس معنى ذلك أن كل خصومة وليدة فراغ، ولا أن كل ألم تصنعه الأوهام؛ فإن في الحياة جراحا حقيقية، ومظالم تستوجب الإنصاف، وهموما لا يملك المرء دفعها. ولكن النفس التي فقدت عظيم مقصدها قد تمنح الصغير من أسباب الخصومة سلطانا لا يستحقه، وتطيل الوقوف عند ما كان أجدر بها أن تتجاوزه. فالقلب إذا اتسع لمعالي المقاصد ضاق عن سفاسف الخصومات، وإذا امتلأ بفضائل الأعمال لم يجد في جوانبه متسعا لتناسل الأحقاد. وليس شرف الإنسان أن يخلو طريقه من المنغصات، بل أن يكون في نفه من السمو ما يمنع تلك المنغصات من أن تستولي على طريقه كله. ثم إن للفراغ وجها آخر أشد خفاء وأعظم نكاية؛ ذلك أنه يستنزف جوهر العمر في غير ما يشعر صاحبه بفداحة الخسارة. فالمال إذا انتقص أحس المرء بنقصانه، والصحة إذا اعتلت استشعر وخز علتها، والمنزلة إذا زالت أدرك مرارة زوالها؛ أما العمر فإنه يتسرب من بين يديه في هدوء مروع، لا يسمع له انكسارا، ولا يرى له انحسارا، حتى إذا استيقظ من سنة الغفلة، أبصر أن ما كان يعده فسحة لا تنفد قد استحال ماضيا لا يستدرك. ويا لغرابة هذا الإنسان! يقيم الحراس على خزائن أمواله، ويحكم الأبواب على نفائس مقتنياته، ويستقصي حساب ما يدخل عليه وما يخرج منه، ثم يترك أعز ذخائره، وهي ساعات وجوده، نهبا للعبث، ومغنما للغفلة، ومسرحا لكل خاطر طارئ؛ كأن ما يفنى من ماله أنفس مما يفنى من نفسه! وإن الدرهم المفقود خسارة في الملك، أما الساعة المهدرة فخسارة في الكيان؛ وشتان بين من ينقص ما في يده، ومن ينقص ما في وجوده. ومن أجل ذلك جاء البيان النبوي جامعا لحقيقة لو فصلت معانيها لاستوعبت أسفارا؛ إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». رواه البخاري. فيا لها من كلمة كشفت أصول الخسارة الإنسانية في أوجز لفظ! فالصحة اقتدار، والفراغ إمكان، والعمر رأس مال لا يقبل التعويض؛ فإذا اجتمعت للإنسان سلامة الآلة، وسعة المجال، ثم لم ينهض إلى ما خلق له من عبادة وإحسان وعمارة وإصلاح، فأي غبن يعدل غبنه، وأي تفريط يداني تفريطه؟ وليس الغبن أن تفوت الإنسان نعمة لم تقدر له، وإنما أن تبسط له النعمة فلا يعرف قدرها، وأن تفتح له أبواب الخير فلا يلجها، وأن يمكن من أسباب الرفعة فيستبدل بها أسباب الخمول. وما أوجع أن تستبان قيمة النعمة عند تعذر الانتفاع بها؛ فيعرف المرء شرف العافية حين يثقله السقم، وكرامة الفراغ حين تستبد به الشواغل، ونفاسة الشباب حين تخبو جذوة الاقتدار، وعظم العمر حين لا يبقى منه إلا بقية تتنازعها الحسرة والرجاء! وأشد من فوات النعمة أن ينكشف للإنسان، بعد فواتها، أنه لم يكن محروما من أسباب الخير، وإنما كان غافلا عن استعمالها؛ وأن أبوابا كان يظنها موصدة لم تكن تنتظر إلا أن يمد إليها يده، وأن آمالا طالما أرجأها لم تكن تحتاج إلى عمر آخر، بل إلى عزيمة صادقة في العمر الذي كان بين يديه. ومن هنا كان صون الأوقات من أجل ما ينبغي أن تربى عليه ان