ليس من السهل أن تطأ قدمك أرض مكة المكرمة دون أن تشعر بمهابة المكان، أو أن تتساءل كيف استطاعت هذه البقعة الممتدة بين جبال مكة الجافة أن تتحول إلى مغناطيس روحي يجذب أفئدة الملايين من كل فج عميق.
في مكة تجد نفسك أمام لوحة إنسانية وإيمانية يصعب وصفها؛ الكعبة المشرفة تتوسط المسجد الحرام كقلب نابض بالسكينة، وحولها بحر من البشر يموج في طواف لا ينقطع، تدور معه القلوب قبل الأجساد، متجردة من كل مظاهر الدنيا وزينتها الفانية.
لن أنسى أبداً تلك اللحظة التي وقعت فيها عيني على الكعبة المشرفة لأول مرة وأنا صغير السن. شعرت بقشعريرة تسري في جسدي، وداهمتني هيبة جلالها الأسود المهيب المحاط بأنوار الحرم. في تلك اللحظة الصامتة، سكتت كل الأصوات في عقلي، وانهمرت دموع الفرح والخشوع تلقائياً، وكأن كل هموم الدنيا التي حملتها على كتفي قد تبخرت دفعة واحدة أمام هذا المشهد الإلهي. ثم جاء طواف الليل ليضفي على الرحلة بعداً آخر من السكينة؛ حيث النسمات الباردة تداعب الوجوه، وصوت التلبية والترتيل يهمس في الآذان، وملايين البشر يتحركون كجسد واحد في حركة دائرية متناغمة تعزل الكيان تمامًا عن صخب العالم الخارجي.
وما يزيد من روعة هذه الرحلة الروحية التي كانت في أواخر شهر أكتوبر الماضي، هو حجم التوسعات والخدمات الحديثة الهائلة التي تجعل من رحلة المعتمر اليوم تجربة ميسرة ومريحة بشكل لم يسبق له مثيل. فالزائر يلمس بعينه هندسة معمارية عبقرية في توسعات الحرم المكي الشريف، ومسارات مكيفة ذكية تنساب فيها الحشود بيسر وأمان، إلى جانب توظيف التقنيات الرقمية والتطبيقات التي تسهل الدخول والتنقل. هذه المنظومة المتكاملة من الرعاية والخدمات تشعرك بأن هناك جهوداً جبارة تُبذل خلف الكواليس، ليتحول هذا الحشد المليوني إلى سيمفونية من النظام والراحة، تحمي المعتمر وتتيح له التفرغ الكامل للعبادة والتأمل الروحي.
خرجت من مكة المكرمة إلى وادي الدواسر وأنا أحمل يقيناً بأن الأوطان والمجتمعات لا يمكن أن تزدهر أو تنعم باستقرار راسخ إلا إذا تمثلت قيم هذا المكان: العدالة المطلقة، والمواطنة الإنسانية المتساوية، وثقافة التسامح التي تجعل من التنوع نسيجاً متناغماً.
ما أجمل أن يتعلم الإنسان من مكة أن قوة البشر لا تكمن في قدرة فئة على إقصاء أخرى، وإنما في قدرة الجميع على التعايش بسلام، والوقوف جنباً إلى جنب لبناء حياة أكرم وأسمى، مدعومة بالبناء والتطوير الذي يخدم الإنسان ويصون كرامته.
ليس من السهل أن تطأ قدمك أرض مكة المكرمة دون أن تشعر بمهابة المكان، أو أن تتساءل كيف استطاعت هذه البقعة الممتدة بين جبال مكة الجافة أن تتحول إلى مغناطيس روحي يجذب أفئدة الملايين من كل فج عميق.
في مكة تجد نفسك أمام لوحة إنسانية وإيمانية يصعب وصفها؛ الكعبة المشرفة تتوسط المسجد الحرام كقلب نابض بالسكينة، وحولها بحر من البشر يموج في طواف لا ينقطع، تدور معه القلوب قبل الأجساد، متجردة من كل مظاهر الدنيا وزينتها الفانية.
لن أنسى أبداً تلك اللحظة التي وقعت فيها عيني على الكعبة المشرفة لأول مرة وأنا صغير السن. شعرت بقشعريرة تسري في جسدي، وداهمتني هيبة جلالها الأسود المهيب المحاط بأنوار الحرم. في تلك اللحظة الصامتة، سكتت كل الأصوات في عقلي، وانهمرت دموع الفرح والخشوع تلقائياً، وكأن كل هموم الدنيا التي حملتها على كتفي قد تبخرت دفعة واحدة أمام هذا المشهد الإلهي. ثم جاء طواف الليل ليضفي على الرحلة بعداً آخر من السكينة؛ حيث النسمات الباردة تداعب الوجوه، وصوت التلبية والترتيل يهمس في الآذان، وملايين البشر يتحركون كجسد واحد في حركة دائرية متناغمة تعزل الكيان تمامًا عن صخب العالم الخارجي.
وما يزيد من روعة هذه الرحلة الروحية التي كانت في أواخر شهر أكتوبر الماضي، هو حجم التوسعات والخدمات الحديثة الهائلة التي تجعل من رحلة المعتمر اليوم تجربة ميسرة ومريحة بشكل لم يسبق له مثيل. فالزائر يلمس بعينه هندسة معمارية عبقرية في توسعات الحرم المكي الشريف، ومسارات مكيفة ذكية تنساب فيها الحشود بيسر وأمان، إلى جانب توظيف التقنيات الرقمية والتطبيقات التي تسهل الدخول والتنقل. هذه المنظومة المتكاملة من الرعاية والخدمات تشعرك بأن هناك جهوداً جبارة تُبذل خلف الكواليس، ليتحول هذا الحشد المليوني إلى سيمفونية من النظام والراحة، تحمي المعتمر وتتيح له التفرغ الكامل للعبادة والتأمل الروحي.
خرجت من مكة المكرمة إلى وادي الدواسر وأنا أحمل يقيناً بأن الأوطان والمجتمعات لا يمكن أن تزدهر أو تنعم باستقرار راسخ إلا إذا تمثلت قيم هذا المكان: العدالة المطلقة، والمواطنة الإنسانية المتساوية، وثقافة التسامح التي تجعل من التنوع نسيجاً متناغماً.
ما أجمل أن يتعلم الإنسان من مكة أن قوة البشر لا تكمن في قدرة فئة على إقصاء أخرى، وإنما في قدرة الجميع على التعايش بسلام، والوقوف جنباً إلى جنب لبناء حياة أكرم وأسمى، مدعومة بالبناء والتطوير الذي يخدم الإنسان ويصون كرامته.
الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.
أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.