.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
يسعى العراق إلى فتح مسار اقتصادي جديد يخفف تدريجياً اعتماده الكبير على النفط، عبر توسيع البنية التحتية الرقمية والتخطيط لإنشاء مراكز بيانات في بغداد والبصرة والموصل.
ويمكن لهذا التوجه أن يدعم استضافة البيانات والخدمات الرقمية داخل العراق، ويهيئ بيئة أفضل لجذب الشركات التكنولوجية. لكنه يظل جزءاً من مسار أوسع لتنويع الاقتصاد، ولا تكفي خمسة مراكز بيانات وحدها لإحداث تراجع ملموس في الاعتماد على الإيرادات النفطية.
أعلنت وزارة الاتصالات العراقية خطة لإنشاء خمسة مراكز بيانات، ثلاثة منها في بغداد بمواقع السنك والانتصار وبرج الاتصالات في المأمون، إلى جانب مركز في البصرة بالقرب من محطة الإنزال البحري، وآخر مؤمل إنشاؤه في الموصل.
وتستهدف المراكز استضافة محتويات الشركات العالمية وخدماتها داخل العراق، بما يمكن أن يدعم نمو الخدمات السحابية والاتصالات والحوسبة والاقتصاد الرقمي. لكن الوزارة لم تعلن حتى الآن قيمة الاستثمارات المطلوبة أو القدرات التخزينية والحوسبية للمراكز أو مواعيد إنجازها ونموذج تشغيلها، ما يجعل تقييم أثرها الاقتصادي وحجم الطلب المتوقع عليها سابقاً لأوانه.
تكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في بلد تمثل التدفقات النفطية أكثر من 90% من إيرادات الميزانية وصادرات السلع، ما يجعل تنويع الإيرادات والنشاط الاقتصادي أولوية ملحة.
وتجلت هشاشة هذا الاعتماد خلال اضطرابات مضيق هرمز. فقد توقعت "إس آند بي غلوبال" في حزيران/يونيو انكماش الاقتصاد العراقي 15% في عام 2026، فيما قدّر البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، في أحدث توقعاته الصادرة في أيلول/سبتمبر، الانكماش بنحو 12%، قبل نمو متوقع قدره 14% في عام 2027، بافتراض تحسن صادرات النفط.
وفي ذروة التعطل، انخفض متوسط إنتاج العراق إلى نحو 1.6 مليون برميل يومياً في آذار/مارس، من 4.15 ملايين في شباط/فبراير. وتراجعت إيرادات النفط الشهرية من نحو 6.8 مليار دولار في شباط إلى 1.1 مليار دولار في نيسان/أبريل، وفق أرقام عراقية أوردتها تقارير صحافية.
لكن الصادرات تعافت جزئياً لاحقاً، إذ بلغت صادرات الموانئ الجنوبية نحو 2.6 مليون برميل يومياً حتى أواخر أيلول، وظلت دون مستويات ما قبل الحرب. ويظهر هذا التقلب سبب بحث بغداد عن قطاعات أقل تعرضاً إلى صدمات تصدير الخام.
يرى محمد سعيد، العضو المنتدب لشركة "آي دي تي للاستشارات والنظم"، في تصريحات خاصة، أن الرهان على مراكز البيانات "استراتيجي وطموح"، "لأنه يعكس إدراكاً بأن المستقبل الاقتصادي لا يرتبط فقط ببراميل النفط، بل بقدرة الدولة على بناء بنية تحتية رقمية متينة".
ويشير سعيد إلى "أن موقع العراق بين الخليج العربي وتركيا وأوروبا يمنحه فرصة ليصبح ممراً رقمياً إقليمياً، إذا استكمل شبكات الألياف الضوئية والربط العابر للحدو.. ويمكن لمراكز البيانات أن تولد قيمة مضافة عبر استضافة خدمات الشركات وبيانات المؤسسات الحكومية والمصرفية، وفق ضوابط واضحة للحماية والخصوصية".
كذلك يتيح توزيع المراكز بين بغداد والبصرة والموصل إنشاء نقاط جذب متعددة، بدلاً من تركيز البنية الرقمية في العاصمة وحدها، بالتزامن مع تنامي الطلب على الحوسبة السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتنسجم هذه المشاريع مع التوجهات الأولية المعلنة لمشروع ميزانية العراق لعام 2027، والتي تشمل دعم المشاريع الاستثمارية المجدية، وتنويع الإيرادات، والرقمنة الحكومية والإصلاح المالي والإداري. إلا أن مشروع الميزانية لا يزال قيد الإعداد والمناقشة، ولم يتحول بعد إلى قانون نافذ.
يبقى الانتقال من إعلان الخطة إلى جذب استثمارات فعلية مشروطاً بمعالجة فجوات الكهرباء والاتصالات، وإقرار قواعد واضحة لحماية البيانات والخصوصية والأمن السيبراني، فضلاً عن تحديد نموذج الاستثمار والتشغيل والمسؤولية عن إدارة المراكز.
ويقول سعيد "إن الكهرباء تأتي في مقدمة هذه التحديات، إذ تتطلب مراكز البيانات إمدادات مستقرة وتشغيلاً شبه متواصل، بينما يعاني العراق فجوة بين الإنتاج والطلب وانقطاعات متكررة، ولاسيما في الصيف".
ويتطلب ذلك خطوط تغذية متعددة ومولدات وبطاريات احتياطية، إلى جانب إمكان دمج الغاز والطاقة الشمسية، لتقليل مخاطر الاعتماد الكامل على الشبكة الوطنية.
ويشير سعيد كذلك إلى ضرورة زيادة سعات النطاق الترددي، وتطوير محطات الإنزال البحري ومراكز تبادل الإنترنت، وتقليص التعقيدات الإدارية، إلى جانب تحديث تشريعات حماية البيانات والخصوصية والأمن السيبراني.
ويتوقع سعيد أن تستقطب المرحلة الأولى "المصارف وشركات الاتصالات والإعلام والمؤسسات الحكومية والشركات الإقليمية المتوسطة. أما جذب شركات التكنولوجيا العالمية الكبرى، فسيعتمد على قدرة العراق على تقديم كهرباء موثوقة واتصالات دولية قوية وبيئة تشريعية واستثمارية مستقرة. عندها فقط يمكن أن تتحول المراكز الخمسة من منشآت لحفظ البيانات إلى نواة قطاع رقمي يولد الخدمات والاستثمارات والوظائف".
لأول مرة في سوريا، يجد الطيران الشراعي طريقه إلى سماء اللاذقية، بعد سنوات من العمل والمحاولات لتحويل فكرة كانت طويلاً مجرد حلم إلى تجربة حقيقية يمكن للزوار خوضها.