تباينت آراء المسرحيين الذين تحدثوا إلى «الخليج»، حول سلطة السينوغرافيا وتوظيف التكنولوجيا الحديثة في العروض المسرحية، حيث أشار بعضهم إلى أن الأصل في الفعل المسرحي هو للممثل والعمليات المسرحية الأخرى بينما تبقى السينوغرافيا والتقنيات الحديثة مجرد عوامل تساعد في فهم العمل من حيث الرؤية والمضامين والأبعاد الجمالية، فيما وجد آخرون أن ثورة التكنولوجيا قد عززت من وجود السينوغرافيا بصورة مختلفة، ولا بد من الاستفادة من التطور التقني في صناعة العروض لأبعد الحدود، حيث لا يمكن الوقوف ضد حركة التطور حتى لو أحدثت انقلاباً أو صنعت مفاهيم جديدة في الفعل المسرحي والدرامي.المسرحي عبد الرحمن الملا، قدم سرداً متعمقاً في تطور العروض المسرحية منذ مركزية النص وهيمنة الممثل إلى الأشكال الحديثة التي باتت التكنولوجيا تشكل فيها حضوراً كبيراً، وأكد أن المبالغة في استخدام السينوغرافيا وتوظيف التقنيات الجديدة، ترسخ لفكرة الابتعاد عن الحدث داخل النص، كما أنها تعمل على إلغاء الممثل والإخراج وكذلك التأليف، لذلك لابد من أن يكون هناك نوع من التوازن بحيث تعمل عناصر العرض مع بعضها من دون هيمنة من أجل عرض متميز.**media[8127152]**وشدد الملا على أن توظيف السينوغرافيا يجب أن يكون جيداً ومبتكراً بصورة تخدم العمل أو لا داعي لاستخدامها من الأساس طالما أنها ستقوم بتهميش العمليات المسرحية والدرامية الأخرى، فلا بد من تأسيس المقاربات السينوغرافية بصورة مميزة منذ لحظة النص ثم المقاربات الإخراجية والأداء التمثيلي، حيث إن دور السينوغرافيا هو تأثيث الفضاء وصناعة صورة أنيقة تعزز البعد الجمالي وتفسر الجوانب المحمولات الفكرية.وأشار الملا إلى أنه قد لاحظ أن الإفراط في الفعل السينوغرافي في المسرح الحديث مرتبط بشكل كبير بطرق العرض التقليدية، أي العلبة الإيطالية، فهي المجال الذي يسمح بتوظيف السينوغرافيا بطرق مختلفة، لكن أنواع المسارح الأخرى المفتوحة مثل مسرح الشارع أو الدائري أو الصحراوي، فإن استخدام التكنولوجيا يكون بقدر معين، ذلك للاعتماد على المشاهد الطبيعية في المكان.ولفت الملا إلى أن هناك العديد من الوسائل والأدوات الجديدة التي باتت تدخل اليوم ضمن السينوغرافيا مثل التكنولوجيا الرقمية والخلفيات المتحركة و«البروجوكتر» وغير ذلك. وكلها تكسب العرض المسرحي مضامين جديدة لكن لا بد من الاستخدام المبدع.وأكد الملا أن البهرجة المبالغ فيها والسينوغرافيا الطاغية يمكن أن تكون على حساب العناصر الأساسية للعمل الفني، ما يؤدي إلى تشتيت انتباه الجمهور وإضعاف الرسالة الجمالية والدرامية، فهذا الإفراط قد يسبب تراكماً بصرياً مبالغاً فيه يُفقد العرض توازنه، ويحول التقنية التي كان من المفترض أن تخدم الفكرة إلى هدف في حد ذاتها، ما يقلل من مساحة الإبداع الحقيقي للممثلين وتفاعل الجمهور مع جوهر العمل الفني.تأييدمن جانبه، أعلن المسرحي إبراهيم القحومي تأييده لتوظيف التكنولوجيا الحديثة والسينوغرافيا بشكل كبير في العرض المسرحي، موضحاً أن الحياة تتطور في كل مناحيها، وتحدث - تبعاً لذلك - نقلات كبيرة في الحياة الاجتماعية لا بد أن يعبر عنها المسرح الذي يتأثر هو الآخر بمعطيات الثورة التقنية فيمتلك أدوات جديدة تعينه في رسالته.**media[8127153]**وبيّن القحومي أن جميع أعماله الجديدة التي قام بإخراجها وتقديمها مؤخراً، تحضر فيها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وجميع منجزات الرقمنة، حيث لم يعد للديكور القديم مكان في العرض الحديث، فهو يعبر عن مرحلة قد انتهت في حياة «أبو الفنون»، حيث إن الرؤى المسرحية الحديثة باتت تعتمد على السينوغرافيا بشكل أساسي وكبير، وهو أمر يعمل به في جميع مسارح العالم ومهرجاناته المهمة.وشدّد القحومي أن السينوغرافيا والتقنيات الحديثة لا تحجب الفعل الإخراجي أو تهيمن على الأداء التمثيلي أو تغيب النص إن كان التوظيف خلاقاً ومبتكراً ويستطيع صنع معادلة تنتج عرضاً متكاملاً تتفاعل فيها جميع العناصر وتنسجم، فالمخرج الذي يشتغل على جميع الأدوات والمفردات يستطيع أن يصنع عرضاً متميزاً وجميلاً.عامل مساعدالمخرج والممثل إبراهيم سالم أشار إلى أن المسرح لا يزال هو الفن الخالد الذي ظل يقدم رسالته ويؤثر في المجتمعات على الرغم من ظهور فنون أخرى مثل التلفزيون والسينما ثم وسائل التواصل الحديثة، حيث إن حيوية المسرح ناتجة عن ذلك العرض الحي المباشر من دون أي وسائط في عملية تفاعلية ينفرد بها هذا الإبداع، كما ظل «أبو الفنون»، على الدوام يستفيد من التطورات التكنولوجية والتقنية التي يفرزها تطور العلم في كل وقت.وأوضح سالم، أن التكنولوجيا الحديثة تظل عاملاً مساعداً تمكن المسرح من إيصال رسالته ومن المزيد من الفعل الإبداعي، وهي تخدم حركة الممثل في الخشبة ولا تشكل عائقاً للإبداع الأدائي أو الكتابة أو الرؤى الإخراجية إذا ما تم استخدامها بشكل جيد. وأشار سالم إلى مشاركة العديد من العروض الإماراتية التي توظف السينوغرافيا والتقنيات الحديثة في العديد من المهرجانات والمناسبات العالمية.نتاج طبيعيالمسرحي السينوغرافي ومهندس الديكور وليد الزعابي، أكد أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والرقمنة كلها مجالات صارت توظف بصورة واسعة في الدراما والمسرح كنتاج طبيعي لتقدم العلوم، وربما تجد رفضاً من بعض الجمهور لكن لا بد من مجاراة التطور بطريقة تبتعد عن البهرجة الزائدة.**media[8127154]**وأقر الزعابي بأن هناك توظيفاً كبيراً للسينوغرافيا الحديثة بطريقة تتطور في كل يوم بحيث من الممكن أن تحل محل مخرج العرض المسرحي وتقوم بالدور الذي كان يقوم به، إذ إن السينوغرافيا يمكن أن تصبح هي «الكل في الكل»، في صناعة العروض المسرحية وكذلك الدرامية، فالمستقبل القريب سيشهد توظيفاً أكبر للتكنولوجيا والفعل السينوغرافي في العمل المسرحي.ولفت الزعابي إلى أن المناسبات والمنتديات والملتقيات المسرحية العالمية تشهد نقاشاً كبيراً حول ظاهرة توظيف التقنية والسينوغرافيا في سياق البحث عن آفاق جديدة ل«أبو الفنون»، جهة تطوره.واستدرك الزعابي بالإشارة إلى أن هناك، في بعض الحالات، نوعاً من المبالغة أو الشطح في توظيف السينوغرافيا بصورة مفرطة، لكن بالمقابل هناك أعمال نجحت بشكل فعلي في الاستخدام المبدع والخلاق للسينوغرافيا بشكل مشابه لما يحدث في السينما، حيث إن الغاية هي صنع صورة مميزة تنال إعجاب المتلقي.