«السينوغرافيا».. هل تحوّلت إلى غول المسرح؟

هل صارت السينوغرافيا هي المتحكم في اللعبة المسرحية لتمارس طغيانها على بقية عناصر العرض المسرحي من تمثيل وإخراج بل وحتى كتابة نصوص؟ وهل قاد التطور الكبير في التكنولوجيا إلى توظيف مفردات السينوغرافيا، من ديكور وإضاءة وأزياء ومكياج ومؤثرات صوتية وبصرية، بشكل أكثر مغايرة، بحيث صار صناع الفعل المسرحي يقومون بصنع مقارباتهم وحلولهم وأطروحاتهم وفقاً لتوظيف الفعل السينوغرافي؟، يشير الواقع إلى أن ثورة التكنولوجيا والرقمنة والذكاء الاصطناعي ودخولها في عالم المسرح، كلها عوامل أحدثت نوعاً من الشغف بالبهرجة والزخرفة وهوس بالصورة بشكل ربما صار معه المسرح الحديث منتجاً للصور على حساب الحوار والأداء التمثيلي والعمليات الإخراجية الأخرى، بل وربما الفكرة كذلك.في إحدى الحواريات المعنية بمناقشة هموم وقضايا «أبو الفنون»، صرّح أحد أبرز النقاد المسرحيين العرب، وهو المغربي الدكتور حسن يوسفي بما يشبه الصرخة التحذيرية بأن السينوغرافيا حولت الممثل المسرحي إلى دمية مبرمجة، موضحاً أن السينوغرافيا عندما بدأت تفرض نفسها باعتبارها مكوناً بنيوياً أساسياً في العرض المسرحي، حدث نوع من الانزلاق، أو ما يسميه يوسفي «النزعة السينوغرافية»، التي جعلت البعض يفكر في تأثيث الفضاء المسرحي بغضّ النظر عن الحضور الإنساني الحي للممثل، وهذه النزعة سببها أن البعض تصوَّر أن مهمة المسرح هي أن يقدّم «صوراً جميلة» فقط، فوقع نوعٌ من التماهي مع الجاذبية السينمائية المؤسسة أصلاً على لغة الصورة، وهناك ملاحظة أن في بعض العروض العربية تحوَّل الممثل إلى محرّك للقطع السينوغرافية، وذلك جعله خاضعاً لإكراهاتها، على حد تعبير يوسفي، ليبدو وكأنه دمية برمجت لكي تقوم بهذه المهمة الميكانيكية، والحال أن المسرح هو عالم الممثل أولاً، والمتفرّج حين يأتي إلى المسرح ينتظر أن يشاهد أدواراً وشخصيات بمواصفات محددة، تتحرك في فضاء يتم تأثيثه من أجله وليس العكس.توظيفلعل ما أشار إليه يوسفي هنا ينطبق كذلك على عناصر العرض الأخرى، فالإخراج صار في خدمة الفعل السينوغرافي بدلاً من العكس، أي بدلاً من أن يكون موظفاً لخدمة العمل في أبعاده الفكرية والجمالية، حيث صار في كثير من العروض الحديثة التركيز البصري للتقنيات والديكورات المبهرة أقوى من أداء الممثل وتجسيد الشخصية، وذلك الأمر يتم على حساب البحث عن صيغة إبداعية تحفظ التوازن بين مفردات العرض المسرحي من أجل خدمة العمل وتعزيزه من دون أن يتم إلغاء دور المؤدي أو تبديد النص والفكرة وجعلها غامضة، وكذلك الرؤى الإخراجية وكل ما له علاقة بالسرد الدرامي، فالواقع أن لمفردات السينوغرافيا المختلفة من قطع الديكور والإكسسوارات والأزياء والإنارة بألوانها وأشكالها دوراً مهماً في أحياء الفرجة المسرحية، كما أنها تحدد الزمان والمكان وطبيعة البيئة التي تدور فيها الأحداث، وتؤشر إلى الأنماط الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي تعيشها الشخصيات المتقمصة من قبل الممثلين.غيابلابد لمفردات السينوغرافيا أن تكون موظفة بصورة متوازنة، بحيث تكون في خدمة العمل وتبيان فكرته، وليس أن تصبح مركز الفرجة ومحور العرض المسرحي بشكل يهمّش أو يغيّب بقية العناصر الأخرى، وما يصنع ذلك التهميش هو غياب الانسجام بين العناصر السمعية والبصرية والحركية في العرض، ما يسمح بطغيان عنصر على آخر كما يحدث في حال السينوغرافيا في عصرنا الراهن، والتي تُعرف بأنها فن وعلم تصميم وتنسيق الفضاء المسرحي أو فضاء العرض، بما يشمل الديكور، والإضاءة، والأزياء، والصوت، والحركة، وذلك بغرض خلق عالم بصري وسمعي متناغم ومتكامل يعكس ويبرز رؤية العرض الدرامي أو الفني ويدعم معانيه، فهي بمثابة «هندسة الفضاء» المسرحي، حيث تتجاوز مفهوم الديكور البسيط لتشمل جميع العناصر الحسية التي تسهم في بناء التجربة الكلية للمشاهد، لذلك لابد أن تعمل السينوغرافيا بتناغم مع بقية عناصر العرض «الإخراج، التمثيل، النص»، لتحقيق رؤية موحدة.شطحفي وقت سابق كانت عناصر العرض المسرحي، مثل الديكور والأزياء والإنارة والألوان منفصلة، لكل منها صانع أو مهندس خاص بكل واحد منها، لكن بعد ظهور السينوغرافيا في الثمانينات من القرن الماضي، صار الأمر مختلفاً، بحيث أصبحت بديلاً للرؤية التقليدية التي كانت تتعامل مع الديكور والمناظر والملابس كعناصر منفصلة في العرض المسرحي، حيث ظهرت مفاهيم الرؤية التشكيلية للعرض، وفي التسعينات صارت السينوغرافيا تنافس بشدة في ترتيب أولويات عناصر العرض المسرحي، وصارت تخصصاً أكاديمياً قائماً بذاته، ودخلت بقوة ضمن اللعبة الإبداعية، إلا أن الشطحات والإفراط في الخيال ذهبا بهذا الفن بعيداً، حيث صار صناع العرض المسرحي يميلون كثيراً نحو الاختزال والتكثيف والرمز والتعبير، ومنذ تلك اللحظة بدأت هيمنة السينوغرافيا والجنون بها خاصة مع دخول التكنولوجيا في العمل المسرحي.متاهة الكاتبالكتابة المسرحية تأثرت هي الأخرى بالحضور الطاغي للسينوغرافيا، فالنص بات يجرد من حمولاته اللغوية والحوارية والسردية عبر تكثيفه واختزاله وتحويله إلى علامات ورموز ومشاهد بصرية، ويشير عدد من النقاد إلى أن التأليف كان هو الأصل في العمل المسرحي، بل يذهب البعض إلى أن الكتابة كانت هي التي تقوم بعملية «التأثيث»، قبيل ظهور ما بات يعرف بالسينوغرافيا، التي تعتبر بمفهومها العلمي، بحسب الكاتب المسرحي رضوان احدادو، ضيفاً طارئاً على المسرح لارتباط ظهورها بالتطور الذي واكبه المسرح عبر مسيرته الطويلة إلى جانب تطور العلوم والفنون والصناعات الحديثة، ولعل مرجع تلك الهيمنة التي باتت تمارسها السينوغرافيا تعود بشكل أساسي إلى الرغبة في صناعة عرض بصري وبصورة سريعة وسهلة، وهذا ما يقود إلى ما يعرف بالإقحام في كثير من الأحيان، بحيث تصبح هناك فجوة كبيرة بين النص وما يجري في العرض.حدود الاشتغالإن ما يحول دون صناعة عروض تعتمد على فكرة البهرجة فقط دون المضمون والمعنى هو ضرورة أن يكون هناك حدود لاشتغالات السينوغرافيا، بحيث إنها تتحرك في مجال معين يخدم العمل، ويرى الكاتب احدادو أن عمل السينوغرافي يبدأ من لحظة الوقوف على النص المسرحي وهو في شكل حوارات وأحداث جامدة على الورق، فإن كنا على إدراك بأن التكنولوجيا في تصاعد متواصل وسير حثيث، وأن عجلة التطور تواصل الدوران، فإننا لا ندري غداً أو بعد غد حدود السينوغرافا، بمعنى أننا نخاف على ثوابت المسرح من الغلو السينوغرافي الذي قد يؤدي يوماً ما، بعد إطلاق العنان، إلى موت المؤلف والنص والحوار وأجزاء من الممثل والاكتفاء بالبصري، فمن الضروري الحفاظ على روح المسرح وخصوصياته، ويجب أن يقتصر الاجتهاد في إطار ركائزه وثوابته.مفاهيم غير أن بعضاً من المشتغلين في المسرح يرون أهمية توظيف التكنولوجيا والسينوغرافيا واستخدامها بطريقة مبتكرة وخلّاقة، حيث يشيرون إلى أن هناك مفاهيم جديدة بدأت تكشف عن نفسها في الفعل المسرحي، بحيث لم يعد هناك مجال للعفوية والموهبة فقط، بل لابد من أن يتسلح الممثل والمخرج بالعلم الأكاديمي من أجل التعامل مع استخدام التكنولوجيا في العروض الحديثة بصورة علمية، فمهما كان حجم الخبرات المتراكمة لدى الممثل، لا يصبح قادراً على مواكب توظيف السينوغرافيا المعززة بالتطور التقني ما لم يكن مؤهلاً في إحدى الكليات والمعاهد والأكاديميات المتخصصة التي تعلم المؤدي كيفية التعامل مع التقنية، بحيث لا تطغى على حضوره، فهي ليست الأساس بل القصة نفسها، وذلك الأمر ينطبق على المخرج كذلك فلا بد أن يعمل على استخدام السينوغرافيا بشكل علمي.أفكار جديدة في كتابه «مسرح ما بعد الدراما»، الذي ترجمته إلى العربية مروة مهدي عبيدو، نجد أن الباحث المسرحي الألماني هانس تيس ليمان، يدفع بأفكار جديدة تبين موقع السينوغرافيا وطغيانها الأكيد على الفعل المسرحي الحديث أو مسرح ما بعد الحداثة، وتحمل في ذات الوقت ما يشبه النعي للمسرح القديم بصورته وأفكاره التقليدية التي هيمنت على الخشبة عصوراً طويلة.**media[8127162]**ويشير الكتاب إلى أن مصطلح «مسرح ما عبد الدراما»، بدأ في الظهور منذ النص الثاني من القرن العشرين، حيث استخدم لتمييز العروض المسرحية التي تراجع فيها دور اللغة، في مقابل صعود العناصر المسرحية الأخرى، مثل عناصر الصوت والصورة، التي بدت وكأنها هيمنت على العروض المسرحية، التي سادت في أوروبا منذ سبعينات القرن الفائت، حيث ظهر هذا المصطلح على يد الباحث أندريا فيرت الذي وجد أن أشكال مسرح ما بعد الدراما، ما هي إلا تجسيد لرد فعل فن المسرح تجاه وسائل الإعلام الحديثة، وتجاه شكل العالم الحديث.ويكمن تميز مسرح ما بعد الدراما، من وجه نظر فيرت، في تضمين أنواع جديدة من النصوص داخل النص المسرحي، مثل بروتوكولات الاستجواب والمراسلات والمذكرات وغيرها من الأشكال غير الدرامية للنصوص، إضافة إلى وسائل التمثيل السينمائي والتصوير الفوتوغرافي، والأفلام والتسجيلات الصوتية، والمؤثرات الصوتية المأخوذة من الأفلام، وصوت القراءة وصوت التلفاز، كعناصر مسرحية حاضرة على خشبة المسرح الجديد، ومن ثم تحول الخطاب المسرحي إلى خطاب متعدد الوسائط، بالتالي فإن مسرح ما بعد الدراما، ما هو إلا علامة فارقة في تاريخ الإبداع، تجسد «تجاوز الحدود» ما بين الفنون، بحيث صار هناك تداخل وتشابك مع أنواع فنية أخرى، مثل الأوبرا والموسيقى والرقص وفنون الكاميرا وغيرها.إحاطة شاملة يقدم كتاب «سينوغرافيا المسرح عبر العصور»، للمؤلف الدكتور كمال عيد، إحاطة شاملة لمفهوم السينوغرافيا، حيث يشير إلى أنها تعني الخط البياني للمنظر المسرحي، وهي فلسفة علم «المنظرية»، أي الشكل، الذي يبحث في ماهية كل ما على الخشبة، وما يُرافق فن التمثيل المسرحي من متطلبات ومساعدات تعمل في النهاية على إبراز العرض المسرحي جميلاً، كاملاً، متناسقاً ومبهراً أمام الجماهير، حيث شاع تعبير «السينوغرافيا»، في مسارح العصر الحديث في خمسينات القرن العشرين إثر استقرار حركة المسارح ودور النشر في القارة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية بعقد واحد من الزمان عندما بدأت المراكز والمعامل المسرحية في بعض مسارح أوروبا تهتم بنشر أسرار المسرح، لتفتح هذه الأسرار أمام المشتغلين بالفنون المسرحية للاستفادة والاستزادة من التقدم التقني الذي كان قد وصل إلى درجة عالية من الفن والصناعة معاً.**media[8127161]**ويلفت الكتاب إلى أن هدف السينوغرافيا كان تطويع حركة الفنون التشكيلية والجميلة والتطبيقية بما ضمته من فنون المعمار والمناظر والأزياء المسرحية، وطرق استغلالها في الفضاء المسرحي اعتباراً لفن المنظور، ما أعطى وجهاً جديداً لتعامل كل هذه الفنون، وداخل علاقة أكيدة ومتضافرة، مع الكلمة والعبارة والمنولوج والديالوج والحوار، ومع الدراما بصفة عامة، بعيداً عن الاصطناعية، وتقديراً لعلوم الجمال حتى يصبح تكوين الفنان التشكيلي في المسرح فعالاً ومؤثراً في النهاية، حيث إن هذا التضافر قد خرج على المسرح بلغة جديدة ظهرت معالمها في التيارات الفنية التشكيلية التي بدأت مع دوران القرن العشرين، وتم ازدهارها وانتشارها بعد الحرب العالمية الثانية، ما أدى إلى بروز موقف الفنان التشكيلي في المسرح.ووفقاً لذلك، أضيفت إلى تخصص مهندس الديكور المعروف في مسارح أوروبا، وظيفة أخرى أكثر أهمية، وهي مصمم سينوغرافيا العرض المسرحي، وهو الأمر الذي أفسح المجال لظهور تلك المهمة الدرامية الجمالية.