السعودية.. حِلم الأقوياء وحَزم الحكماء – د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي

ليس كل من صبر على الإساءة عاجزًا عن الرد، ولا كل من أمسك عن المواجهة ضعيفًا أمام خصومه، ولا كل من آثر الحكمة فاقدًا لأسباب القوة؛ فثمة دول تدرك أن قوتها لا تُقاس بما تستطيع أن تفعله فحسب، بل بما تختار ألّا تفعله وأن الحِلم في موازين السياسة ليس انكسارًا أمام العداوة، وإنما قدرة على ضبط القرار، وتقدير العواقب، وتقديم المصالح العليا على الانفعالات العابرة.

ومن هذا المنطلق يمكن قراءة جانب من نهج المملكة العربية السعودية في التعامل مع خصومها؛ فهي دولة تجمع في خطابها السياسي بين الدعوة إلى الحوار وخفض التصعيد، والتأكيد على سيادتها وحقها في حماية أمنها ومصالحها. وليس ضبط النفس في العلاقات الدولية تنازلًا بالضرورة، كما أن الحَزم لا يستلزم الاندفاع؛ إذ قد يكون الصبر قرارًا مدروسًا، وقد تكون الحكمة في تأخير المواجهة لا في التعجيل بها.

إن الدول لا تُقاس قوتها بارتفاع أصواتها، ولا بكثرة تهديداتها، وإنما بقدرتها على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب وبما تملكه من أدوات سياسية واقتصادية ودفاعية تمكّنها من حماية مصالحها دون أن تجعل من كل استفزاز سببًا لأزمة جديدة.

فالحِلم الذي يستند إلى القوة سياسة، أما الحِلم الذي تفرضه قلة الحيلة فاضطرار؛ وبينهما تتجلى قيمة الحكمة في إدارة شؤون الدول.

والحِلم في جوهره خُلُق عظيم، لا يكتمل معناه إلا باجتماع القدرة والحكمة. وقد أثنى الله تعالى على الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، فقال سبحانه: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). وإذا كان هذا الخُلُق مطلوبًا من الأفراد في علاقاتهم، فإن استحضار معانيه في إدارة شؤون الدول يفتح بابًا واسعًا لفهم قيمة ضبط النفس، وتجنب القرارات التي تمليها لحظة الغضب، لا ضرورات المصلحة.

ولقد علمتنا التجارب أن الاستفزاز قد يكون أحيانًا محاولة لدفع الطرف الآخر إلى رد فعل متعجل، يحقق للمستفز ما لم يستطع تحقيقه بوسائله المباشرة. ومن هنا فإن عدم الانجرار إلى كل مواجهة لا يعني القبول بالإساءة، وإنما قد يعكس إدراكًا لطبيعة الخصومة، وحسابًا دقيقًا لتكاليفها ونتائجها.

والمملكة العربية السعودية، بما لها من مكانة دينية وثقل سياسي واقتصادي، تتعامل مع قضايا تتجاوز حدودها الجغرافية وتمتد آثار قراراتها إلى محيطها الإقليمي والدولي. ولهذا فإن قراءة مواقفها لا ينبغي أن تنحصر في سؤال: لماذا لم ترد؟ بل ينبغي أن تتسع لتشمل أسئلة أكثر عمقًا: ما المصالح التي تسعى إلى حمايتها؟ وما العواقب التي تريد تجنبها؟ وما الأدوات التي تراها أنسب لتحقيق أهدافها؟

وقد برز في السياسة السعودية الجمع بين المسارات الدبلوماسية والأمنية، والسعي إلى التهدئة متى توافرت فرصها، مع التأكيد على حماية السيادة والأمن الوطني. وهذه المعادلة تبرز حقيقة مهمة، وهي أن الحوار لا يلغي الاستعداد للدفاع وأن السعي إلى السلام لا يعني التخلي عن أسباب القوة. وليس من الحكمة أن تتحول كل خصومة إلى عداوة دائمة، ولا أن تصبح كل إساءة سببًا لإغلاق أبواب الحوار. فالدول تتعامل مع مصالح متشابكة، ومتغيرات متسارعة، وقد تتبدل المواقف والظروف، بينما تبقى مسؤولية حماية الأوطان واستقرار الشعوب قائمة لا تتغير.

ومع ذلك، فإن الحِلم لا يصح أن يكون غطاءً للتهاون، ولا ذريعة لقبول الاعتداء، ولا وسيلة لتأجيل الحقوق إلى غير نهاية. فالحَزم ضرورة متى اقتضته حماية الوطن، والعدل يقتضي ألّا يتحول الصبر إلى تمكين للمعتدي. إن القيمة الحقيقية للحِلم تظهر في القدرة على التمييز بين موقف يستحق التجاوز، واعتداء يستوجب إجراءً حاسمًا، وبين خلاف يمكن احتواؤه، وخطر لا يجوز التساهل معه.

ومن الخطأ كذلك أن يختزل بعض المتابعين قوة الدول في سرعة الردود العسكرية أو حدة التصريحات السياسية؛ فالقوة مفهوم أوسع، تدخل فيه متانة الاقتصاد، وتماسك المجتمع، واستقرار المؤسسات، وفاعلية الدبلوماسية، وكفاءة الدفاع والقدرة على بناء العلاقات وإدارة الخلافات. وقد يكون القرار الأكثر تأثيرًا هو الأقل ضجيجًا، وقد تحقق المفاوضات ما لا تحققه المواجهات المفتوحة.

إن من أعظم التحديات التي تواجه الدول في أوقات التوتر أن تحافظ على اتزانها أمام ضغوط الرأي العام، وتسارع الأخبار، وتضخم الشائعات. ففي فضاء التواصل الاجتماعي تتكاثر المطالبات بالرد الفوري، وتصدر الأحكام قبل اكتمال المعلومات، وتختلط الغيرة الصادقة على الوطن بالرغبة في التصعيد. غير أن القرار السيادي لا ينبغي أن يخضع لمنطق الانفعال اللحظي؛ لأن تبعاته لا تقف عند حدود منشور أو تصريح، وإنما قد تمتد إلى أمن الشعوب ومستقبل الأجيال.

ومن هنا تتجلى أهمية الوعي الوطني الذي يفرق بين تأييد حق الدولة في الدفاع عن نفسها، وبين مطالبتها بخوض كل مواجهة مهما بلغت تكلفتها. فمحبة الوطن لا تُقاس بحدة الغضب، ولا بكثرة الدعوات إلى الانتقام، وإنما تظهر أيضًا في الحرص على أمنه واستقراره، وإدراك تعقيدات القرارات التي تمس مصالحه العليا.

ولعل أعمق ما في الحِلم أنه يمنح صاحبه حرية الاختيار؛ فلا يصبح أسيرًا لاستفزاز خصمه، ولا رهينة لغضبه، ولا مضطرًا إلى إثبات قوته عند كل منعطف. وهذا المعنى في إدارة الدول بالغ الأهمية؛ لأن من يملك قراره يستطيع أن يختار الحوار حين ينفع، والحَزم حين يلزم، والصبر حين يكون الصبر أجدى.

إن السعودية ليست مطالبة بأن تجعل من كل خصومة معركة، كما أن من حقها أن تحمي أمنها وسيادتها بكل وسيلة مشروعة. وبين هذين المعنيين تتحدد مسؤولية السياسة الرشيدة: ألّا تفرط في حق، وألّا تندفع إلى ضرر يمكن تجنبه، وألّا تجعل من رد الفعل بديلًا عن وضوح الهدف.

وستبقى الحكمة أرفع من الانفعال، والحَزم أبقى أثرًا من التهديد، والحِلم أعمق معنى من مجرد الصمت؛ فليست القوة أن ترد على كل إساءة، وإنما أن تملك الرد، وتعرف متى يكون الصبر أبلغ، ومتى يصبح الحَزم واجبًا.

فالدول الكبيرة لا تصنع هيبتها بكثرة خصوماتها، وإنما بقدرتها على صيانة حقوقها، وحماية مصالحها، وألّا تمنح خصومها سلطة تحديد توقيت قراراتها أو طبيعة ردودها.

ليس كل من صبر على الإساءة عاجزًا عن الرد، ولا كل من أمسك عن المواجهة ضعيفًا أمام خصومه، ولا كل من آثر الحكمة فاقدًا لأسباب القوة؛ فثمة دول تدرك أن قوتها لا تُقاس بما تستطيع أن تفعله فحسب، بل بما تختار ألّا تفعله وأن الحِلم في موازين السياسة ليس انكسارًا أمام العداوة، وإنما قدرة على ضبط القرار، وتقدير العواقب، وتقديم المصالح العليا على الانفعالات العابرة.

ومن هذا المنطلق يمكن قراءة جانب من نهج المملكة العربية السعودية في التعامل مع خصومها؛ فهي دولة تجمع في خطابها السياسي بين الدعوة إلى الحوار وخفض التصعيد، والتأكيد على سيادتها وحقها في حماية أمنها ومصالحها. وليس ضبط النفس في العلاقات الدولية تنازلًا بالضرورة، كما أن الحَزم لا يستلزم الاندفاع؛ إذ قد يكون الصبر قرارًا مدروسًا، وقد تكون الحكمة في تأخير المواجهة لا في التعجيل بها.

إن الدول لا تُقاس قوتها بارتفاع أصواتها، ولا بكثرة تهديداتها، وإنما بقدرتها على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب وبما تملكه من أدوات سياسية واقتصادية ودفاعية تمكّنها من حماية مصالحها دون أن تجعل من كل استفزاز سببًا لأزمة جديدة.