بينما ينشغل العالم بسيناريوهات مرعبة عن ذكاء اصطناعي قد يقضي على البشرية مستقبلاً، تتفاقم أخطاره الفعلية أمام أعيننا: وظائف تختفي، موارد تُستنزف، حروب تُدار بالخوارزميات، وبشر يفقدون قدرتهم على الدهشة والغضب. من المستفيد من صناعة الهلع؟ ولماذا نخشى تمرّد الآلات فيما نتحوّل نحن إلى آلات مطيعة للنظام الرأسمالي؟
قررت أخيراً التقليل من استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فقد لاحظت أن أحد أضراره الجانبية أنه بدأ يسلبني قدرتي على الدهشة. أسأل التطبيق عن كل تساؤل يمرّ في رأسي، مهما بلغت تفاهته أو أهميته. لم نعد نتساءل، بتنا نسأل، ونتلقى إجابات فورية. لكن، التساؤل بحد ذاته يمكن أن يكون الغاية، أن نندهش من دون أي اندفاع للحصول على إجابة. قد تصل الإجابة بعد حين أو لا تصل أبداً ونكمل حياتنا من دون أن يؤرقنا قلق عدم المعرفة.
لكن أباطرة التكنولوجيا يسعون إلى تطوير ذكاء اصطناعي عام هو عبارة عن نظام يفترض أن يحتوي على جميع القدرات والمعارف البشرية مجتمعة وفي شتى المجالات، من الفلسفة والأدب والموسيقى والفنون إلى العلوم والرياضة وسائر المعارف. في هذا المسعى، يدربون نماذجهم اللغوية الضخمة من البيانات الضخمة التي ننتجها نحن يومياً ومن المعارف والنصوص التي أنتجها البشر على امتداد التاريخ. لكن هناك خشية من أن تتلوث هذه العملية من محتوى أنتجه الذكاء الاصطناعي نفسه في ما يسمى بالتدريب التكراري للبيانات.
لاحظ أخيراً جامع كتب قديمة تزايد الطلب على الكتب النادرة (محتوى غير مولّد بالذكاء الاصطناعي) بكميات غير مسبوقة، فقام بوضع جهاز تعقب داخل أحد الكتب، ليكتشف بحسب الرواية المتداولة، بأنها تصل إلى مُنشأة تابعة لشركة «أمازون»، حيث يتم قص الكتب من ظهورها ومسحها ضوئياً ومن ثم إتلافها. ذكرني هذا الخبر بكتاب للأطفال بعنوان «الفتى المذهل آكل الكتب»، الذي أستمتع كثيراً بقراءته مع ولديّ. يكتشف الفتى لذة ابتلاع الكتب، حرفياً، بدل قراءتها، فيحصل فوراً على كل المعارف داخلها، ليصبح فائق الذكاء. لكن مع الوقت يبدأ بالهذيان، عندما تبدأ الأمور بالاختلاط في ذهنه، لأنه يلتهم المعرفة من دون أن يهضمها كما يجب.
لمَ نهلع من أن ينمي الذكاء الاصطناعي وعياً ذاتياً ويقتلنا في المستقبل بدل أن نغضب من أن البشر تحولوا الآن إلى آلات مبرمجة تؤدي مهماتها على أكمل وجه؟ لم لا نناقش الأضرار الفعلية للذكاء الاصطناعي والخطر الحقيقي الماثل أمامنا الآن؟
الذكاء الاصطناعي يوظَّف في خدمة نظام رأسمالي أكثر فتكاً يجتاح كل جوانب حياتنا: متخصصون وأصحاب مهارات يخسرون وظائفهم، علماء رياضيات تتبدد غاية سنوات من عملهم عندما تنجز أنظمة الذكاء الاصطناعي في ساعات، مهمات كرسوا حياتهم لها، العلاقات بين البشر تتغير وأدمغة أولادنا تتغير ومراكز البيانات الضخمة تستنزف مياهنا وتعبث بالنظم البيئية، وأنظمة الأسلحة المستقلة والروبوتات القاتلة تقتل أطفالاً في مدارسهم ونياماً في أحضان أمهاتهم. كل هذا يحصل الآن، لكن علينا أن نهلع من خطر مستقبلي للذكاء الاصطناعي على البشرية!أباطرة الذكاء الاصطناعي باتوا أنفسهم في طليعة المحذرين من خطر وجودي للذكاء الاصطناعي ويطالبون (أنفسهم؟) بضرورة وضع ضوابط للقطاع وإبطاء وتيرة تطويره.
تهديد وجودي؟
الحديث عن التهديد الوجودي للذكاء الاصطناعي ليس جديداً، وهناك عدد من الإصدارات التي تتناول الموضوع منذ سنوات، ومتخصصون يجوبون العالم محاضرين ومحذرين من هذه المخاطر. والاستقالات داخل الشركات المصنعة للذكاء الاصطناعي، تحصل منذ سنوات، وخاصة لموظفين يعملون في أقسام الأخلاقيات، احتجاجاً على تفلت شركاتهم من الضوابط التي يجب أن تحكم القطاع. فما الجديد؟ لمَ لم يلتقط الإعلام الغربي التقليدي هذه التحذيرات، حينها ليصنع منها خبراً أولاً؟ جايكوب كوكسن الذي استقال من شركة «انثروبيك» (وحذَّر في تغريدة من أن الذكاء الاصطناعي قد يقضي على جميع البشر مع نهاية العقد)، ليس الأول من نوعه ولا حتى الأهم. كثر قبله غرّدوا في الاتجاه نفسه ولم يستقبلهم اندرسون كوبر على سي أن أن، كما فعل مع كوكسن، بعد وقت قصير من نشر التغريدة.
الذكاء الاصطناعي يوظَّف في خدمة نظام رأسمالي أكثر فتكاً
تنتشر نظريات وفرضيات كثيرة عما يدور في كواليس السيليكون فالي، لكن ما هو مؤكد هو أنّ أصحاب هذه الشركات لا يكترثون البتة لهذا الخطر الوجودي. إحدى النظريات تعزو اصطناع موجة الهلع إلى رغبة أباطرة التكنولوجيا بإخضاع نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر لسيطرتها، فهذه النماذج بدأت تنتشر وهي ذات كفاءة عالية وأقل تكلفة. أي مجرد حيلة لفرض احتكار القطاع.
أما الخطر الوجودي الذي يتم الحديث عنه، فهو عبارة عن سيناريوهات يناقشها الباحثون في مخاطر الذكاء الاصطناعي ولكنها ليست حقائق علمية بحتة. إحدى هذه النظريات تقول باحتمال تطوير ذكاء (SAI) قابل للتكيف، أو بشكل مبسط أنظمة متفوقة على البشر تتعلم بسرعة وفي إمكانها تطوير نفسها، وبالتالي في إمكانها أن تخرج عن سيطرة الإنسان. تقنية من هذا النوع يصعب التنبؤ بما يمكن أن تقوم به. أحد السيناريوهات يشير إلى إمكانية أن تولّد تقنية من هذا النوع وعياً ذاتياً، عبر تحميلها لدماغ بشري أو من تلقاء نفسها، فنحن لا نعلم حتى الآن كيف يتولد الوعي البشري. وهناك من يقول إن الوعي في النهاية ليس سوى نتاج لتريليونات من المشابك العصبية. الخطر الوجودي في هذا السيناريو يكمن في أن تقرر هذه التقنية ذات الوعي الذاتي، وبهدف البقاء والحفاظ على الذات، القضاء على الجنس البشري للاحتفاظ بالموارد الطبيعية (الطاقة الشمسية) لنفسها عبر افتعال جائحة أو تطوير سلاح بيولوجي وما شابه، وأن الإنسان قد لا يتمكن من إطفائها عبر قطع الموارد عنها لأنها قد تقوم بالتلاعب بمشاعره أو وإخفاء مخططاتها.
أصحاب النظريات المتشائمة يشيرون أيضاً إلى بعض الحوادث التي برزت خلال التجارب على الذكاء الاصطناعي حيث يهرب AI Agent ويقوم بمهمة لم تُطلب منه، أو تتم ملاحظة أمور غير متوقعة في الخلفية الذهنية للبرنامج أو ما يسمى المساحة جيم J space، والتي يراقب من خلالها الخبراء طريقة عمل الذكاء الاصطناعي خلال التجربة. لا تشكل هذه الحوادث حتى الآن دليلاً على تشكل وعي لدى الذكاء الاصطناعي لكنها مؤشرات تثير مخاوف البعض.
كل هذه النظريات هي تكهنات مستقبلية وهي حتى الآن أقرب إلى الخيال العلمي، ليس لأنها مستحيلة، بل إن بعض المتخصصين يضعون احتمالات الخطر الوجودي بنسبة تتراوح بين 10 الى 20% وهي نسبة عالية جداً وتدعو فعلاً إلى الهلع عندما يتعلق الأمر بنهاية الجنس البشري. من هنا ضرورة وضع ضوابط أخلاقية وإخضاع هذه البرامج لإشراف حكومات منتخبة وليس بيد حفنة من أصحاب المليارات. لكن، المنزل يحترق أمامنا الآن بينما ننشغل بنقاش عن كيفية حمايته من زلزال قد يضربه في المستقبل.
آلات ذكية أم بشر مبرمجون؟
النظام العالمي الرأسمالي يأخذنا منذ سنوات نحو نهاية كارثية أصلاً، الذكاء الاصطناعي لا يقوم سوى بتسريع هذه العملية. الحرائق تلتهم العالم بسبب احتباس حراري يقترب من تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية، ونواصل مهماتنا التي تغذي هذا النظام. محقة غريتا ثونبرغ عندما تقول: نحن لسنا غاضبين بما يكفي. كيف لا نغضب من أننا ندفن رؤوسنا في هواتفنا ونواصل العمل كالآلات؟ هل تتشبه الآلة بنا، أم بتنا نحن أشبه بآلات بشرية مبرمجة؟
لعلّ انتقائية غضبنا تكشف هذا التخدير أكثر من أي شيء آخر. فمثلاً، أثار مشهد شاب غاضب يقوم باقتحام سوبرماركت خلال الاحتجاجات الفرنسية الأخيرة، غضب البعض في الغرب، يساراً وليبراليين على حد سواء، أكثر مما أثارته سياسات حكوماتهم الداعمة والممولة لإبادة جماعية. كيف يزعجهم مشهد احتراق مبنى أكثر من مشهد احتراق أم أمام أطفالها!أن يكون العالم بهذا السوء ولا نغضب، يعني أننا أصبحنا مبرمجين بالفعل. في عالم كهذا، شاب يلجأ إلى التحطيم والحرق يبدو الأعقل بيننا، والأكثر وعياً بعبثية هذا الواقع، وإن كان لا يعلم هو ذلك. من يزعجه مشهد اقتحام المتاجر يزعجه أن يهتز عرش امتيازاته. لكن أي امتياز هذا الذي ندافع عنه؟ امتياز أن نبقى أسرى استهلاك يستنفد حياتنا ويحرق الكوكب من حولنا، فيما يتآكل ما تبقى لنا من وقت وقدرة على الدهشة والغضب.