في السابع والعشرين من أكتوبر الماضي استضافت جامعة جونز هوبكنز الأمريكية مناظرة علمية عنوانها «هل يعزز الذكاء الاصطناعي التوليدي التعلم الجامعي أم يعيقه؟». شارك في المناظرة أربعة من المتخصصين في الذكاء الاصطناعي والتعليم، انقسموا فريقين: فريق يرى في هذه التقنية فرصة لتطوير التعلم وتوسيع قدرات الطالب المعرفية، وآخر يحذر من أن تصبح بديلاً عن التفكير، فتتراجع معها مهارات التحليل والنقد والاستقلال الفكري. وتكرر في المناظرة المفهومان التاليان: التفويض المعرفي (Cognitive Offloading) والاستسلام المعرفي (Cognitive Surrender).
التفويض المعرفي هو أن يستعين الطالب بأداة خارجية لينجز بعض المهام الذهنية التي كان يؤديها بنفسه، وجميعنا سبق أن مارسنا هذا السلوك، عبر حل المسائل الرياضية بالآلة الحاسبة، وتخزين الأرقام والمواعيد في الهاتف، والاعتماد على تطبيق الخرائط للوصول إلى العناوين. أما الاستسلام المعرفي، فهو مرحلة أكثر اعتمادًا على هذه التقنية، ففيه ينتقل الطالب من التفكير والتثبت إلى القبول المباشر لكل ما يقترحه الذكاء الاصطناعي دون أي تحقق أو مراجعة.
تتفاوت التجربة الشخصية بين الطلبة في استخدامهم الذكاء الاصطناعي في المهام الأكاديمية، فعلى سبيل المثال: هناك طالب يستعين بالذكاء الاصطناعي في إنجاز الواجبات والتقارير ومن ثم تسليمها بدون أي فهم أو استيعاب لها، وعلى النقيض، هناك طالب يستعمل الأداة نفسها لجمع الموضوعات والدراسات ذاتa الصلة، أو لتبسيط مفهوم علمي معقد، أو لشرح مسألة استعصت عليه، ثم يعود ليحللها ويكتب واجبه بفهمه الخاص. التجربتان لا تتساويان. الأول اختصر المهمة وألغى كل فرصة للتعلم منها، أما الثاني قد وسّع استفادته من هذه التقنية وجعلها وسيلة ينمي بها مهاراته في البحث والتعلم الذاتي والاستنتاج.
ونفس المقارنة يمكن تطبيقها في مجال البحث العلمي. فالباحث الذي يستعين بالذكاء الاصطناعي لتنظيم الأدبيات العلمية أو لاكتشاف الفجوات البحثية، يختلف عن باحث يقبل المراجع أو التفسيرات التي تقترحها الأداة دون التأكد من صحتها. فضلًا عن الباحث الذي يطلب من الآلة توليد مقال كامل له ثم ينسبه إلى نفسه وينشره دون أن يكلف نفسه عناء المراجعة. والساحات الأكاديمية فيها الكثير من النقاشات حول المقالات العلمية التي سُحبت من المجلات بعد اكتشاف أنها ليست بنات أفكار أصحابها وأنها متخمة بادعاءات بعيدة كل البعد عن الصحة.
ليس من الضروري أن ينجز الطالب بنفسه كل مهمة تستطيع التقنية أن تعينه عليها. لكن هناك عمليات عقلية معقدة في تجربة التعلم تتضمن المحاولة والخطأ والمقارنة والبحث عن التفسير، وهي جوهر المعرفة. فإذا فوّض الطالب الآلة بجميع هذه العمليات فقد يخرج بمنتج جودته عالية في وقت قصير، لكن بدون أي تطور في قدراته المعرفية.
وبالتالي، ليس كل اعتماد على الذكاء الاصطناعي يؤدي إلى التراجع المعرفي ما دام الاستخدام في السياق الصحيح. وقد نُشرت مراجعة علمية هذا العام تناولت 89 دراسة عن تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي في مهارات التفكير العليا لدى طلاب الجامعات، وقد انتهى الباحثون إلى أن تأثيره غير موحد، فقد يعمل كأداة تعزز القدرات المعرفية حين يُستخدم ضمن أساليب تعليمية مدروسة، وقد يصير بديلاً عنها حين يُستخدم دون توجيه. وقد تبنت المملكة تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وبناء القدرات الوطنية في مجالاته المختلفة، خصوصًا بعد أن أقر مجلس الوزراء تسمية عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي». وقد بدأت الجامعات السعودية بالفعل في إصدار أدلة وسياسات تنظم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث والتعليم، مثل دليل وسياسات استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث العلمي بجامعة الملك عبدالعزيز، ودليل إرشادات استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم للطلاب وأعضاء هيئة التدريس من جامعة الملك سعود، وهذه الأدلة تؤكد مبادئ النزاهة الأكاديمية والاستخدام المسؤول. ومن المهم أن تُترجَم هذه الإرشادات إلى قناعة وممارسة لدى الطالب والباحث، تتضمن القدرة على التحقق من المصادر، والتمييز بين الاستنتاجات العلمية المستندة إلى الدليل والزائفة. الإنسان كان ولا يزال منذ القدم يبتكر أدوات توسّع قدراته وتخفف أعباءه، والتقنية اليوم تجاوزت مساعدتنا في الحساب والتخزين والبحث، وصارت شريكة لنا بل ومنافسة في إنتاج الأفكار. لكن لنتفق على أننا نحن من يجب أن يضع الحدود ويحدد طبيعة العلاقة مع هذه التقنية، لأن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لا يعفينا من مسؤولية التفكير واتخاذ القرار الصحيح.
في السابع والعشرين من أكتوبر الماضي استضافت جامعة جونز هوبكنز الأمريكية مناظرة علمية عنوانها «هل يعزز الذكاء الاصطناعي التوليدي التعلم الجامعي أم يعيقه؟». شارك في المناظرة أربعة من المتخصصين في الذكاء الاصطناعي والتعليم، انقسموا فريقين: فريق يرى في هذه التقنية فرصة لتطوير التعلم وتوسيع قدرات الطالب المعرفية، وآخر يحذر من أن تصبح بديلاً عن التفكير، فتتراجع معها مهارات التحليل والنقد والاستقلال الفكري. وتكرر في المناظرة المفهومان التاليان: التفويض المعرفي (Cognitive Offloading) والاستسلام المعرفي (Cognitive Surrender).
التفويض المعرفي هو أن يستعين الطالب بأداة خارجية لينجز بعض المهام الذهنية التي كان يؤديها بنفسه، وجميعنا سبق أن مارسنا هذا السلوك، عبر حل المسائل الرياضية بالآلة الحاسبة، وتخزين الأرقام والمواعيد في الهاتف، والاعتماد على تطبيق الخرائط للوصول إلى العناوين. أما الاستسلام المعرفي، فهو مرحلة أكثر اعتمادًا على هذه التقنية، ففيه ينتقل الطالب من التفكير والتثبت إلى القبول المباشر لكل ما يقترحه الذكاء الاصطناعي دون أي تحقق أو مراجعة.
تتفاوت التجربة الشخصية بين الطلبة في استخدامهم الذكاء الاصطناعي في المهام الأكاديمية، فعلى سبيل المثال: هناك طالب يستعين بالذكاء الاصطناعي في إنجاز الواجبات والتقارير ومن ثم تسليمها بدون أي فهم أو استيعاب لها، وعلى النقيض، هناك طالب يستعمل الأداة نفسها لجمع الموضوعات والدراسات ذاتa الصلة، أو لتبسيط مفهوم علمي معقد، أو لشرح مسألة استعصت عليه، ثم يعود ليحللها ويكتب واجبه بفهمه الخاص. التجربتان لا تتساويان. الأول اختصر المهمة وألغى كل فرصة للتعلم منها، أما الثاني قد وسّع استفادته من هذه التقنية وجعلها وسيلة ينمي بها مهاراته في البحث والتعلم الذاتي والاستنتاج.
ونفس المقارنة يمكن تطبيقها في مجال البحث العلمي. فالباحث الذي يستعين بالذكاء الاصطناعي لتنظيم الأدبيات العلمية أو لاكتشاف الفجوات البحثية، يختلف عن باحث يقبل المراجع أو التفسيرات التي تقترحها الأداة دون التأكد من صحتها. فضلًا عن الباحث الذي يطلب من الآلة توليد مقال كامل له ثم ينسبه إلى نفسه وينشره دون أن يكلف نفسه عناء المراجعة. والساحات الأكاديمية فيها الكثير من النقاشات حول المقالات العلمية التي سُحبت من المجلات بعد اكتشاف أنها ليست بنات أفكار أصحابها وأنها متخمة بادعاءات بعيدة كل البعد عن الصحة.