في أسبوع واحد تحركت ثلاث عواصم في ملف واحد. ففي 23 أكتوبر اجتمع في إسطنبول وزراء خارجية المملكة وتركيا ومصر وباكستان مع نظرائهم من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، واتفقوا على لقاءات دورية تستضيف ألمانيا التالية منها. وفي 26 أكتوبر جلس في طهران وزير الدفاع صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني. وفي اليوم نفسه وافق البرلمان المصري على طلب الرئيس السيسي تفويضه بتقديم دعم دفاعي للمملكة في مواجهة هجمات الحوثيين، إن طلبته. كل ذلك قبل الانتخابات النصفية الأمريكية في 3 نوفمبر، وهو الموعد الذي يترقبه الإقليم من واشنطن.
الحل الإقليمي لا يعني بالضرورة حلاً بلا قوة. معناه أن يمسك أهل الإقليم ملفهم، فلا ينتظرون من يقرر عنهم. وقد وصفت وزارة الخارجية السعودية زيارة طهران بأنها جهد «لخفض التصعيد بين أطراف الأزمة الحالية»، ودعم لوساطتي قطر وباكستان. وهو أول لقاء جماعي يجمع أطراف حلف دفاعي إقليمي بالجانب الإيراني في طهران.وللجدية علامات تُرى، لا تُدّعى. فحلف مكة، أي اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة في 7 أغسطس بين المملكة وتركيا وباكستان، صارت له لجنة اجتمعت في إسطنبول في 31 أغسطس، وقررت أن تكون أمانته العامة في المملكة. وفي اجتماع طارئ بالرياض في 5 أكتوبر، قال سمو وزير الدفاع إن اللجنة «اتفقت على تفعيل تدابير الردع الجماعي». وأحالت تركيا الاتفاقية إلى برلمانها في 20 أكتوبر، وحُدّد 27 أكتوبر موعداً لبدء لجنة الشؤون الخارجية مناقشتها، ونفاذها القانوني معلّق على اكتمال التصديق. والتحالف البحري الذي أسسته المملكة لحماية باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن أعلنت وزارة الدفاع بلوغه «القدرة التشغيلية الأولية» في 17 سبتمبر، في اجتماع بجدة حضره ممثلو 41 دولة وشارك فيه الاتحاد الأوروبي. وفي 18 أكتوبر أدان وزراء خارجية مجلس التعاون من المنامة هجمات الحوثيين على المملكة، واستندوا إلى اتفاقية الدفاع المشترك لدول المجلس في عدّ الاعتداء على أي دولة منه اعتداءً على دوله كلها.
المملكة في هذا كله ليست طرفاً ينتظر ما تسفر عنه الطاولات. فهي تعمل على كل مستوى في وقت واحد.في الدبلوماسية: قال سمو ولي العهد في اتصاله بالرئيس الإيراني في 27 يناير، كما نقلت وكالة الأنباء السعودية، إن المملكة لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها في أي عمل ضد إيران. ورحّب مجلس الوزراء في 20 أكتوبر بالبيان الرئاسي لمجلس الأمن الذي أكد حق المملكة الأصيل في الدفاع عن نفسها، وتابع ما تبذله المملكة من مساعٍ بالتواصل والتشاور للحد من تبعات النزاعات والتوترات.في الدفاع: أعلنت وزارة الدفاع منذ مارس اعتراض مسيّرات وصواريخ باليستية وجوالة متتالية. وفي 29 يوليو أعلنت الوزارة ضرب ميليشيات في العراق، وقالت في بيانها: «المملكة لا تسعى إلى التصعيد، لكنها سترد على أي عدوان تتعرض له».في الطاقة والاقتصاد: خط شرق – غرب يحمل النفط من الشرق إلى ينبع على البحر الأحمر، بعيداً عن هرمز، وبلغ طاقته القصوى 7 ملايين برميل يومياً في مارس. ووافق مجلس الوزراء في سبتمبر على إنشاء وعاء سعودي لتأمين أخطار الحرب على البضائع والسفن، وهدفه المعلن بناء قدرة تأمينية محلية تحدّ من أثر تقلبات الأسواق العالمية وارتفاع تكاليف إعادة التأمين.وفي توقيت الرد: حين ضُرب الخط في سبتمبر بمسيّرات قالت الخارجية إنها انطلقت من العراق، أعلنت الوزارة في 11 سبتمبر أن المملكة «اختارت عدم الرد في هذه المرحلة». ومن يختار توقيت رده يملك قراره، وهذا وجه آخر من وفرة الخيارات.
ومن يتتبع ما بُني منذ مطلع العام يجد أن الترتيبات السعودية لم تستبعد احتمال أن تستهدف إيران المملكة نفسها. فالتعهد العلني في يناير لم يمنع محاولة استهداف رأس تنورة في مطلع مارس. ثم أعلن مقر «خاتم الأنبياء» الإيراني في 8 يوليو أن أي قاعدة تدعم العمليات الأمريكية ضد الأراضي الإيرانية «هدف مشروع». أما الخط البديل، والاتفاق الدفاعي مع باكستان، والمخزون النفطي الذي تحتفظ به أرامكو في أوكيناوا منذ 2010، فكلها سبقت الحرب، وبعضها سبقها بسنوات. فالعمل هنا استباقي، أي قبل أن تقع الضربة لا بعدها.
ومن هذه الترتيبات أن المملكة لا تقف وحدها في الدفاع عن سمائها. فالمقاتلات الباكستانية في قاعدة الملك عبدالعزيز الجوية منذ أبريل، بموجب اتفاق الدفاع الثنائي الموقع في سبتمبر 2025. وأعلنت فرنسا في سبتمبر إرسال جنود ورادارات ومنظومات دفاعية، وقال وزير خارجيتها إن دعمها «دفاعي بحت». وأعلنت بريطانيا في 20 أكتوبر نشر مقاتلات «تايفون» في مهام دفاعية فوق المدن والمنشآت الحيوية، وشحنت منظومة دفاع جوي لحمايتها. ووافق البرلمان المصري على تفويض الرئيس بتقديم دعم دفاعي إن طلبته المملكة. وينتظر البرلمان التركي التصويت على حلف مكة، ثم على تفويض مستقل لأي انتشار. وهذه الترتيبات لا تغيّر قرار المملكة في الرد، بل تغيّر تكلفة الاعتداء عليها: فحين يعرف المهاجم أن صواريخه ستواجه دفاعات أكثر من دولة، يقلّ ما يرجوه من ضربته. وهذا ما يُسمّى في الاستراتيجية «الردع بالمنع»، أي إقناع الخصم بأن ضربته لن تبلغ غرضها.وليس في البيانات الرسمية ما يقول ذلك صراحة، لكن الوقائع تقوله. ولا تناقض بين الأمرين: فالمملكة تعلن أنها لا تسعى إلى التصعيد، وتُظهر الوقائع أنها بنت في الوقت نفسه ما يحميها إن لم يأخذ غيرها بذلك. وحسن النية في السياسة لا يُغني عن الحذر.
البديل نفسه اختُبر. فقد ضُرب الخط في سبتمبر، وتوقف احترازياً، ثم استؤنف الضخ خلال أيام، وقال وزير الطاقة في 6 أكتوبر إن التدفق بلغ 5.8 مليون برميل يومياً، وأشاد مجلس الوزراء في 13 أكتوبر بعودة التدفق. وهذا هو الصمود، أي ألا تمنع الدولة كل ضربة، بل أن تعود سريعاً إلى عملها بعدها. فالخط الذي بُني لتجاوز مضيق صار هو نفسه موضعاً يُحمى.
والجبهة الأقرب ليست إيرانية مباشرة، بل حوثية قائمة. فقد ضُرب مطار الملك خالد في الرياض في 10 أكتوبر وقُتل 13 شخصاً، ومطار الملك فهد في الدمام في 21 أكتوبر وقُتل شخصان. وعلى هذه الجبهة تحديداً جاء الرد الإقليمي والدولي: بيان وزراء خارجية مجلس التعاون في المنامة، وتصويت البرلمان المصري، وتأكيد مجلس الأمن حق المملكة في الدفاع عن نفسها. وكانت هجمات الحوثيين على المملكة ضمن ما تناوله اجتماع إسطنبول.
في تقدير الكاتب، احتمالان متقاربان: أن يستمر الاستنزاف كما هو، أو أن تقع حملة أمريكية قصيرة يعقبها رد إيراني ثم تهدئة. وقد كتب الرئيس ترامب في 8 أكتوبر أن بلاده لن تهاجم إيران قبل الانتخابات، ونقلت نيويورك تايمز أن البنتاغون أعدّ خيارات لضربة جديدة، وأن ترامب رفض في الأشهر الماضية خمسة مقترحات لعمليات كبرى. ومسار التفاوض عبر الدوحة وإسلام آباد ما زال مفتوحاً. وفي الحالين، ما بُني قبل الضربة هو ما يُحتسب بعدها.ليس المطمئن أن الخطر غاب، بل إن الاستعداد سبقه.