الجمهورية | L’Adolescence du perroquet: الحبّ قفص من الكلام

حكاية غير مألوفة

تبدأ الرواية مع ألبان، وهو رجل وحيد فَقَد والدَيه، ويجد في متحف اللوفر ملاذاً من عزلته، حتى إنّه يشعر بأنّ علاقته بالأعمال الفنية أكثر رسوخاً من علاقاته بالبشر. لكنّ حياته تأخذ منعطفاً غير متوقع عندما يتبنّى ببغاء من فصيلة الرمادي الأفريقي، يُدعى «جو».

في البداية، تبدو العلاقة بين الرجل والطائر متناغمة، قبل أن تتحوَّل تدريجياً إلى مواجهة يومية. فالببغاء، الذي يحتاج إلى الرفقة والاهتمام، يبدأ بإظهار سلوكيات عدوانية، ويصبح غيوراً ومتطلّباً، وصولاً إلى تخريب المنزل ومهاجمة صاحبه. وهكذا تتحوَّل الحكاية من تجربة تبنٍّ تبدو بسيطة إلى مواجهة نفسية، تضع مفهوم الحب غير المشروط أمام اختبار صعب.

تستخدم نوثومب هذا البناء غير التقليدي لتطرح أسئلة تتجاوز العلاقة بين الإنسان والحيوان: هل تعني المحبة أن نمنح الآخر ما نعتقد أنّه يحتاج إليه، أم أن نقبله كما هو؟ ومتى تتحوَّل الرعاية إلى محاولة للسيطرة؟

الأبوة بوصفها اختباراً

تؤكّد نوثومب أنّ الرواية تتناول الأبوة والأمومة، وما يمكن أن تحمله هذه التجربة من خيبات وانهيارات عاطفية. وهي لم تسعَ إلى إثبات فكرة محدّدة، بل أرادت استكشاف علاقات إنسانية تعرف أنّها موجودة بالفعل.

فألبان يمتلك، في تعامله مع الببغاء، ما ينبغي أن يتوافر لدى الوالد تجاه طفله، وفي مقدّمه الاهتمام والتقدير، لكنّ ذلك لا يضمن نجاح العلاقة. وكثير من القراء يحمّلون ألبان مسؤولية ما يحدث، بينما يمكن أن يحبّه ويعامله بلطف واهتمام.

هذه المسافة بين الموقف والأحكام هي إحدى نقاط القوة في العمل؛ إذ لا تقدّم نوثومب شخصية مثالية وأخرى شريرة، بل تترك العلاقة مفتوحة على احتمالات متعدّدة، وتجعل القارئ يعيد النظر في أحكامه المسبقة على الطرفين.

اللغة سلاح ذو حدَّين

من أبرز الأفكار التي تمنح الرواية عمقها تأملها في اللغة. فالكلام ليس دائماً وسيلة شفافة للتواصل، بل يمكن أن يتحوَّل إلى سلاح. كما أنّ الببغاء يستطيع استخدام منقاره لإنتاج ألحان جميلة، ويستطيع استخدامه للتدمير، تماماً كما يمكن للكلمة أن تكون أداة حب وإغراء، أو وسيلة لإيذاء الآخر وتحطيمه.

هذا التشبيه ليس تفصيلاً عابراً، بل يمثل مفتاحاً لفهم العلاقة بين ألبان وجو. فامتلاك اللغة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على التواصل، والكلمات لا تضمن التفاهم، خصوصاً عندما تتحوَّل إلى وسيلة لفرض الإرادة. ومن هنا، تتجاوز الرواية موضوعها الحيواني، لتلامس واحدة من أكثر مشكلات العلاقات الإنسانية تعقيداً: الرغبة في أن يفهمنا الآخر، من دون أن نمنحه دائماً الحرية الكاملة ليكون مختلفاً عنا.

عودة إلى الخيال... بنجاح متفاوت

رأى موقع «لو بوان» الفرنسي، في مراجعته، أنّ الرواية تقدِّم حكاية غريبة ومضحكة وغير متوقعة، وأشاد بأسلوب نوثومب السريع، وقدرتها على إدخال تأمّلات في الحب والوحدة والاختلاف ضمن أحداث تبدو عبثية.

في المقابل، اعتبر موقع «فناك» الثقافي، أنّ عودة الكاتبة إلى الرواية التخيُّلية بعد مجموعة من الأعمال ذات الطابع السيري تحقق نجاحاً جزئياً، مشيراً إلى أنّ الحبكة تشد القارئ، لكنّ نهايتها قد تبدو ملتوية، وأنّ العمل لا يبلغ مستوى بعض رواياتها السابقة.

وهنا تكمن الملاحظة النقدية الأبرز: فالفكرة أكثر ثراءً من بعض المسارات التي اختارتها الحبكة لتطويرها. كما أنّ اعتماد الرواية على العلاقة الثنائية، يجعل بعض التأمّلات تبدو متكرّرة، فيما كان يمكن توسيع الشخصيات الجانبية ومنحها مساحة أكبر لتعقيد الصراع.

نجاح يتجاوز غرابة الفكرة

ليس غريباً أن تجد الرواية جمهوراً في لبنان، بالتزامن مع اهتمام القراء بالأدب الفرنسي والأعمال المترجمة. كما حققت حضوراً تجارياً في فرنسا، إذ حلت ثانية في تصنيف مبيعات الكتب خلال الأسبوع الأخير من آب، وفق بيانات NielsenIQ BookData التي نشرتها Livres Hebdo.

في المحصّلة، لا تقدّم «مراهقة الببغاء» أعظم أعمال نوثومب، لكنها حكاية ذكية تستثمر غرابتها لطرح أسئلة مألوفة بصيغة جديدة. وتكمن قيمتها في تذكير القارئ بأنّ الحب لا يلغي الاختلاف، وأنّ الاهتمام لا يمنح صاحبه حق السيطرة. فربما لا تكون المشكلة في أنّ الببغاء لا يتصرَّف كما يريد صاحبه، بل في اعتقاد الإنسان أنّ مَن يحبّه يجب أن يتصرَّف دائماً وفق توقعاته.