هوى المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو على ركبتَيه، واحتفل بفوز ريال مدريد على برشلونة 2-1، مخرجاً لسانه وقابضاً يده في حركة مألوفة منه، جسّدت لحظته بامتياز. وكان كيليان مبابي، الذي سجّل الهدفَين، نجم المباراة وصاحب الفضل في الانتصار الذي قلّص الفارق مع برشلونة في الدوري الإسباني إلى 3 نقاط. لكنّ الـ»كلاسيكو» حمل أيضاً رسالتَين مهمّتَين بشأن المشروع الذي بدأ يتشكّل تحت قيادة مورينيو: تمثّلت الأولى في أنّ الفريق يمتلك الجودة الكروية والإمكانات اللازمة لمنافسة برشلونة، والثانية أنّ مورينيو (63 عاماً) لا يزال لديه الكثير ليقدّمه على أعلى المستويات، على الرغم من أنّه لم يحرز لقباً للدوري منذ تتويجه بالدوري الإنكليزي الممتاز في موسم 2014-2015.
من الهزيمة أمام أتلتيكو إلى نقطة التحوّلحتى ضمن السياق المحدود للموسم، شكّل الفوز تحوُّلاً دراماتيكياً إلى حدّ ما بالنسبة إلى النادي الملكي في ملعب «سانتياغو برنابيو». فقد أثارت الخسارة أمام جاره أتلتيكو مدريد 2-1 في 20 أيلول، تساؤلات جدّية. واندلعت يومها انتقادات حادّة للقرارات التحكيمية، لكنّ بعض الأوساط داخل النادي، أقرّت أيضاً بأنّ تراجع الأداء وغياب لاعب وسط أكثر ميلاً إلى الاستحواذ على الكرة، يشكّلان موضوعَين مشروعَين للنقاش.وأوضح مصدر مقرّب من الجهاز الفني، أنّ تلك الخسارة غيّرت الأجواء المحيطة بالنادي، لكنها جعلت مورينيو وفريقه يشعران بقدر أكبر من التحرّر، ما أتاح لهما الإقدام على خطوات أكثر جرأة.وبالنظر إلى ما حدث، لا بدّ من اعتبار الفوز على روما 4-3 في دوري أبطال أوروبا، نقطة تحوُّل، على الأقل بتأثيره في المعنويات. فيومذاك، تأخّر مدريد 1-3 قبل 8 دقائق من نهاية الوقت الأصلي. فكان الانتصار غير المتوقّع، الذي أقدم فيه مورينيو على مجازفة محسوبة، وإن لم يكن أمامه خيار كبير سوى ذلك، الثاني ضمن سلسلة من 4 انتصارات متتالية سبقت مباراة برشلونة. وقد حملت هذه المباريات تغييرات مهمّة.
تغييرات تكتيكية تعيد رسم ملامح الفريقبدأ يان ديوماندي أخيراً يقدّم إسهامات حاسمة، وجاء صعوده في التوقيت المناسب، بالتزامن مع غياب فينيسيوس جونيور الموقوف لـ4 مباريات. ومن الخطوات المهمّة الأخرى قرار إشراك فيديريكو فالفيردي كظهير أيمن، مع منح أردا غولر دوراً أكثر بروزاً في خط الوسط. وفي مواجهة برشلونة، مُنِح برناردو سيلفا دوراً محورياً في قلب الملعب، إلى جانب أوريليان تشواميني، فيما شكّل تدخّل إدواردو كامافينغا في الهجمة التي أسفرت عن هدف الفوز، محطة بارزة أخرى للاعب بدا بعيداً عن أفضل مستوياته في وقت سابق. وأمام برشلونة، بلغ مدريد مستوى من الحِدّة في الأداء لم يشهده مشجّعوه منذ فترة، وبالتأكيد ليس بصورة منتظمة.
صلابة دفاعية تعالج اختلال التوازنأظهر أداء فريق مورينيو أنّه قادر على الدفاع بانضباط وإصرار، وهي نقطة مثّلت موضع قلق منذ وصول مبابي، وما نتج من اختلال في التوازن بسبب إشراك 3 مهاجمين.وإذا كان لغياب فينيسيوس أي تأثير، فقد أتاح للفريق تحقيق توازن مختلف. لعب ديوماندي في الجناح الأيسر، فيما شغل غولر الجهة اليمنى. وبذلا جهداً كبيراً، فضغطا على المنافس في مناطق متقدّمة من الملعب عندما اقتضت الحاجة، وعادا إلى الخلف للمساهمة في الدفاع عندما اضطر الفريق إلى التراجع.وتصدّى قلب الدفاع دين هويسن لمحاولتَين. أمّا الظهير الأيسر مارك كوكوريلا، فعمل بلا هوادة للحدّ من خطورة لامين يمال وإبقائه بعيداً من التأثير في المباراة. فيما لعب فالفيردي 40 دقيقة كظهير أيمن، قبل أن يُستبدَل بدينزل دومفريس. كما قدّم تشواميني، سيلفا، وبيلينغهام تدخّلات دفاعية حاسمة، إذ تراجعوا عميقاً إلى داخل منطقة جزاء فريقهم لاستعادة الكرة.
دفاع متماسك من دون التضحية بالهجوملكنّ هذا العمل الدفاعي لم يأتِ على حساب أفضل ما قدّمه ريال في الاستحواذ على الكرة. فقد شنّ عدداً كافياً من الهجمات المرتدّة الخطيرة، وبنى هجمات منظّمة بذكاء انطلاقاً من الخلف، وصنع فرصاً كافية ليترك انطباعاً بأنّه أهدر فرصاً عديدة، على الرغم من خروجه فائزاً بالمباراة. وأثمرت المبادرة الهجومية لحظات من الجودة الفنية الحقيقية. فساهمت قدرة ديوماندي على تجاوز منافسيه بسرعته في صناعة الفرصة التي أفضت إلى هدف مبابي الافتتاحي (د41).أمّا بيلينغهام، فأظهر أفضل ما في موهبته الطبيعية، بما في ذلك مهاراته في المراوغة والتحرُّك بالكرة، خلال هجمة أعادت إلى الأذهان أسلوب زين الدين زيدان. ومهّد تحرّكه الطريق أمام الهجمة التي انتهت بهدف مبابي الحاسم (د87).
هل يغيّر الانتصار موقع مورينيو داخل غرفة الملابس؟خلافاً لما كان يمكن توقّعه في بداية الموسم، وبعد موسمين من دون ألقاب اتّسما بالتوترات الداخلية والمواجهات، لم يحتج مورينيو إلى الدخول في صراع على النفوذ مع لاعبي غرفة الملابس.ويؤكّد مصدر في مركز تدريبات ريال، إنّ المدرّب وجهازه الفني سعيا إلى ضمان شعور جميع النجوم بالارتياح، والتكيّف مع احتياجاتهم، مع الحفاظ في الوقت نفسه على معايير عالية للأداء وإيجاد السبل الكفيلة بتحقيق أقصى استفادة من نقاط قوّتهم. إنّه توازن صعب لم يتمكّن المدربان اللذان سبقاه في المنصب، تشابي ألونسو وألفارو أربيلوا، من تحقيقه.