تعبّر مقولة «العقلانية ليست مثالاً نقتنصه من السماء، بل هي موجودة في لغتنا ذاتها»، عن واحدة من الأفكار المركزية في فلسفة الألماني يورغن هابرماس، أحد أبرز فلاسفة مدرسة فرانكفورت ومؤسس نظرية الفعل التواصلي.
في زمن تتجاذبه خطابات تقدّس السلطة وتطالب بالطاعة بدلاً من التفكير، وتحتكر الحقيقة باسم الدين أو السياسة أو الهوية، تأتي هذه المقولة لتردّ العقلانية إلى مكانها الطبيعي: ليس في عالم مفارق، ولا امتيازاً لفئة من الناس، بل في ممارستنا اليومية الأكثر بساطة، وهي قدرتنا على الكلام والحوار وتقديم الحجج. فما معنى أن تكون العقلانية موجودة في لغتنا؟
أولاً: العقلانية ليست حقيقة متعالية
حين يقول هابرماس إنّ العقلانية ليست مثالاً من السماء، فهو يرفض النظر إليها كحقيقة مثالية جاهزة في عالم مفارق. العقلانية ليست امتيازاً تمنحه السماء، ولا مبدأً غامضاً يتجاوز التجربة.
إنّها إمكانية متأصّلة في ممارساتنا اليومية. نحن نمارس العقلانية كلّما قدّمنا أسباباً لما نقول، أو طالبنا الآخرين بتبرير ادعاءاتهم، أو راجعنا أحكامنا في ضوء حجة أقوى. لا نحتاج لمغادرة العالم الإنساني لنكون عقلانيّين.
ثانياً: اللغة فضاء للعقل لا مجرد أداة للتعبير
ينقل هابرماس مركز العقل من الوعي الفردي المنعزل إلى اللغة والتواصل بين الذوات. فاللغة ليست مجرّد أداة ننقل بها أفكاراً اكتملت في عقولنا، بل هي الفضاء الذي نختبر فيه صحة ادعاءاتنا، ونكشف تناقضاتنا، ونتبادل المبرّرات.
حين أقول لك: «هذا الرأي صحيح»، يحق لك أن تسألني: «ما دليلك؟». وحين أعجز عن تقديم دليل مقنع، أراجع موقفي. هنا تظهر العقلانية كممارسة تواصلية، لا كامتلاك فردي للعقل. إنّها القدرة على إخضاع الأقوال للنقاش والنقد، بدل فرضها بالقوة أو الاحتكام للسلطة والمكانة.
ثالثاً: اللغة، الحقيقة، والحرّية
تتضمّن عملية التواصل مطالب ضمنية: صِدْق المتكلِّم، وصحة ادّعائه، وصِدْق التعبير عن مقاصده، وإمكان فهم ما يقوله.
عندما يختلف الناس، لا ينبغي أن يكون الحل بانتصار الأقوى أو الأكثر نفوذاً، بل بالحوار الذي يسمح لكل طرف بعرض حججه والاعتراض على حجج الآخرين.
لكنّ هابرماس لا يفترض أنّ كل حوار عقلاني بالفعل. فاللغة قد تتحوَّل إلى أداة للتضليل والدعاية. لذلك ترتبط العقلانية عنده بشرط جوهري: أن يكون التواصل حراً من الإكراه والاستبعاد، يتيح مناقشة الادعاءات بحرّية.
رابعاً: نقد العقلانية السلطوية
تكتسب الفكرة أهميتها حين توضع في مواجهة الخطابات التي تطالب بالطاعة. فإذا كانت العقلانية كامنة في الحوار وتبادل الحجج، فلا يجوز أن تكون مكانة المتكلِّم بديلاً عن قوّة حجّته، ولا أن تتحوَّل السلطة إلى معيار للحقيقة.
السؤال العقلاني ليس: مَن الذي قال هذا الكلام؟ بل: ما الذي يجعل هذا الكلام مقبولاً؟ وما الأدلة التي تسنده؟ وهل يصمد أمام النقد؟ بهذا المعنى، تصبح العقلانية ممارسة تحرُّر من الوصاية الفكرية، لأنّها تتيح للإنسان أن يسائل ما يُقدَّم إليه كحقيقة نهائية.
خامساً: البُعد الديمقراطي
لا تتوقف أهمية اللغة عند الفلسفة، بل تمتد إلى المجال العام. فالديمقراطية عند هابرماس لا تُختزل في التصويت والإجراءات، بل تتطلّب مواطنين قادرين على مناقشة القضايا المشتركة وتكوين الرأي العام.
القانون يكتسب شرعيته بقدر ما يمكن تبريره أمام المواطنين في إجراءات عادلة تسمح لهم بالمشاركة والاعتراض. وعندما يُقصى الناس من الحوار، أو تُحتكر وسائل التعبير، أو يُستبدل النقاش بالتخويف والتشهير، تتراجع شروط العقلانية التواصلية.
ما يريد هابرماس قوله باختصار، هو أنّ العقلانية ليست نوراً هابطاً من عالم مفارق، ولا حقيقة يمتلكها فرد معزول. إنّها إمكانية إنسانية تتجسّد في لغتنا وتتحقق عبر الحوار وتبادل الأسباب والقدرة على مراجعة المواقف.
العقل لا يظهر فقط عندما نفكر بمفردنا، بل يظهر أيضاً عندما نكون مستعدين للإصغاء للآخر، والاعتراف بإمكان خطئنا، وتغيير رأينا أمام حجة أفضل.
ولعلّ المفارقة العميقة هنا، هي أنّ العقلانية لا تتجلّى في ادعاء امتلاك الحقيقة، بل في الاستعداد لمناقشتها. فالمجتمع العقلاني ليس المجتمع الذي يتفق أفراده في كل شيء، وإنما المجتمع الذي يستطيعون فيه الاختلاف من دون إكراه، والاحتجاج من دون خوف، والبحث عن الحقيقة من دون أن يحتكرها أحد.