الجمهورية | كيف كتب فليتوود قصة أكبر المفاجآت؟

راح المراسل يبحث عن الرجل الذي حقّق للتوّ أكثر المفاجآت استبعاداً في كرة القدم الإنكليزية. وبعدما أحاط به زملاؤه في الفريق وحشد من مشجّعي فليتوود تاون، عُثر أخيراً على كونور هوغي (19 عاماً). كان وجهه يلمع بالعرق، وشعره الأسود أشعث، فيما ارتسمت على وجنتَيه ابتسامة بدت دائمة. وحاول أن يشرح ما كان يدور في رأسه، قبل أن يسدّد الكرة بنجاح في ركلة الجزاء الحاسمة التي منحت فريقه الفوز على أرسنال، بطل إنكلترا، في كأس كاراباو. ومطلقاً حروفه الساكنة بلكنة بلفاست بسرعة خاطفة، أقرّ: «لا أعرف. اخترت الزاوية وسدّدت الكرة فيها. في الزاوية العليا. وبعدها ركضت بأقصى سرعة، اللعنة!».

لحظة انفجار الفرح في ملعب «هايبري»

اعتذرت «سكاي سبورتس» مراراً عن الألفاظ التي استخدمها هوغي، لكن مَن يستطيع أن يلومه على انفعاله، بعد 95 دقيقة أمضاها في مواجهة فيكتور يوكيريس وكاي هافيرتز؟

لعلّ الألفاظ النابية وحدها كانت قادرة على التعبير بدقة عن مشاعر الخمسة آلاف مشجّع الذين احتشدوا في «هايبري»، الملعب المتواضع في شبه جزيرة فيلد شمال غربي إنكلترا، في اللحظة التي استقرّت فيها ركلة الجزاء في الشباك، بعدما انتهى الوقت الأصلي للمباراة بالتعادل 1-1.

فليتوود ليس نادياً عريقاً تتناقل الأجيال أمجاده. فقد أتاح الاستثمار للنادي تحقيق 6 ترقيات خلال 10 سنوات، لينتقل من الغموض الذي يحيط بأندية خارج الدوريات المحترفة إلى الدرجة الأولى (المستوى الثالث)، بحلول عام 2014. لكنّه هبط إلى الدرجة الثانية في الموسم الماضي. ولم يحقّق سوى انتصارَين في مبارياته الـ9 الأخيرة.

أرسنال الذي لا يُفترض أن يخسر

في المقابل، أرسنال هو بطل إنكلترا، وخسر نهائي دوري أبطال أوروبا بركلات الترجيح أمام باريس سان جيرمان. وإذا كان ثمة فريق لا يُرجّح أن يكون طرفاً في مفاجأة كروية أمام منافس من درجة أدنى، فهو أرسنال بقيادة ميكيل أرتيتا. صنع المدرب الإسباني قوة كروية هائلة لا تتوقف. فريق لا يعتمد على الاستعراض، بل على التفاصيل الدقيقة والتحسينات الصغيرة المتواصلة، ويشبه خصماً صُمّم بواسطة الحاسوب، إلى حدّ يجعل كثيراً من منافسيه عاجزين عن فهم كيفية صناعة فرصة في مواجهته، فضلاً عن كيفية الفوز عليه.

هذا فريق لا يعرف الليالي السيئة أو التراخي. فكثافة أرتيتا في العمل لا تسمح بذلك. أو على الأقل، لم يكن الأمر كذلك. وعلى الرغم من أنّ أرسنال لم يُظهر أي غرور أو فتور في الأداء، فقد خسر.

سحر الكؤوس

تُفضي مباريات الكؤوس إلى نتائج من هذا النوع، تتحدّى المنطق، بوتيرة تفوق بكثير ما يمكن تفسيره بصورة معقولة. وقد سادت أجواء احتفالية صاخبة ملعب «هايبري»، الذي يحمل الاسم نفسه لملعب أرسنال القديم في شمال لندن، وشهد أول مباراة تُباع جميع تذاكرها منذ ما يقرب من 12 عاماً.

وكان الحماس كبيراً إلى درجة أنّ المباراة لم تكن قد مضت على انطلاقها سوى دقيقة واحدة، عندما اضطر الحكم إلى إيقافها بسبب تحليق طائرة مسيّرة فوق الملعب.

وتسبّب ذلك في تأخير استمر 7 دقائق، حاول خلالها لاعبو الفريقَين إبقاء أنفسهم في حالة استعداد، فيما كانت الغيوم تتجمّع في السماء. غير أنّ أرسنال لم يتمكن من بلوغ الإيقاع المطلوب في الشوط الأول، لينهيه متأخّراً 0-1. وكان هدف آرون لوبالو-بي (د21) درساً قاسياً للمدافع مارلي سالمون (17 عاماً). إذ أظهر قلة خبرة عندما حاول انتزاع الكرة بتدخّل يستحيل نجاحه، ثم اندفع في محاولة يائسة أخرى بعدما تمكّن منه المهاجم وتجاوزه.

أوديغارد يغيّر الإيقاع

غيّر دخول مارتن أوديغارد ديناميكية أرسنال، وبدأ الفريق يصنع سلسلة من الفرص الخطيرة. لكنّ هافيرتز أهدر عدداً منها، فيما تصدّى جاي لينش ببراعة لتسديدة بن وايت في اللحظات الأخيرة، في لقطة بطولية.

وأكّد لينش، وقد خنق التأثر صوته: «رائع... مذهل. لقد أُجهد صوتي كثيراً من جرّاء توجيه المدافعين طوال المباراة. تابعنا فوز غريمسبي على مانشستر يونايتد في العام الماضي، أيضاً بركلات الترجيح في كأس الرابطة. وقارنّا أنفسنا بتلك المباراة، على الرغم من أنّ منافسنا هذه المرّة هو بطل إنكلترا. قلنا إننا إذا بذلنا كل ما لدينا على أرض الملعب، فلنرَ ما الذي سيحدث».

أمّا ما حدث، فكان ملحمة بطولية بكل المقاييس. واجه فليتوود 26 تسديدة، وحالفه الحظ في بعض اللحظات، لكنه أظهر ذلك النوع من التكاتف والصمود الدفاعي، حين يضطر الفريق إلى التراجع والقتال بكل ما لديه، وهو ما يجعل كرة القدم ساحة مواجهة فريدة من نوعها.

هوغي يخطف الأضواء

كان مدرب منتخب إيرلندا الشمالية مايكل أونيل حاضراً في المدرجات لمتابعة شابَين، أحدهما في كل فريق. وانصبّ جزء كبير من الاهتمام على سيداخ أونيل، الذي كان يخوض مباراته الأولى مع أرسنال، لكنّ قلب دفاع فليتوود، هوغي، كان النجم الذي سرق الأضواء.

وكشف مدرب فليتوود، مات لولور، أنّ فريقه لم يتدرّب على ركلات الترجيح ولو مرّة واحدة. بل إنّه نسي حتى أنّ كأس كاراباو لا تتضمّن وقتاً إضافياً قبل اللجوء إلى ركلات الترجيح.

وربما يفسّر ذلك سبب تكليف قلب دفاع شاب بتسديد الركلة الخامسة، لكنه كان قراراً ينسجم مع طبيعة فريق فليتوود، الذي ارتدى صفة الفريق الأقل حظاً بفخر وحماسة. فالفريق لم يكتفِ بإظهار الشجاعة ومحاولة مجاراة منافسه، بل خاض المباراة بإيمان راسخ بقدرته على جعل حياة أرسنال صعبة.