لم تعرف منطقة في العالم من التداخل التاريخي والجغرافي مثلما عرفت منطقة الشرق الأوسط، ففي هذه البقعة من العالم لم تكن الحدود التي رسمتها السياسة في مراحل مختلفة قادرة على محو ما صنعه التاريخ على امتداد قرون طويلة، ولم تستطع الدول الحديثة، على الرغم من اختلاف أنظمتها ومصالحها وتحالفاتها، أن تلغي حقيقة بسيطة تؤكد إن شعوب هذه المنطقة تعيش في فضاء واحد، وأن ما يحدث في دولة يمكن أن يجد صداه سريعاً في دولة أخرى، وأن الأمن لا يتوقف عند الحدود، وأن الاقتصاد لا يعترف دائماً بالخرائط السياسية، وأن الجغرافيا التي ربطت هذه الشعوب عبر التاريخ ما زالت تجمع بينها اليوم، وإن تغيرت الأدوات وتبدلت طبيعة الصراعات، فالشرق الأوسط ليس مجرد مجموعة من الدول المتجاورة، وإنما هو نسيج شديد التعقيد تشكل من تداخل العرب والفرس والأتراك والكرد وغيرهم من القوميات، ومن تعايش الأديان والمذاهب والثقافات، ومن تعاقب الإمبراطوريات والدول والحضارات، ومن حركة التجارة والهجرة والحروب والتحالفات، حتى أصبح من الصعب فهم أي دولة من دول المنطقة بمعزل كامل عن محيطها، فالجوار هنا ليس مجرد علاقة بين دولتين تفصل بينهما حدود، وإنما هو علاقة تاريخية مستمرة تفرض على الجميع قدراً من التفاعل، وقدراً من الحذر، وقدراً أكبر من البحث عن المصالح المشتركة التي تحول دون أن يصبح هذا الجوار مصدراً دائماً للصراع..
..المشكلة الكبرى التي واجهت المنطقة خلال العقود الأخيرة أننا تعاملنا في كثير من الأحيان مع هذه الحقيقة بعكس ما تفرضه علينا، فانشغلنا بالخلافات الثنائية، وبالذاكرة التاريخية، وبالاختلافات القومية والمذهبية، بينما كانت قوى أخرى تنظر إلى المنطقة باعتبارها كتلة جغرافية واحدة تتقاطع فيها المصالح الاستراتيجية، وتبحث عن نقاط الضعف داخلها قبل أن تبحث عن نقاط القوة، وتدرك أن السيطرة على بقعة صغيرة قد تمنحها تأثيراً في مساحة واسعة، وأن إشعال أزمة في دولة واحدة يمكن أن يترك آثاره في دول أخرى، وأن تقسيم المصالح والمخاطر إلى ملفات منفصلة قد يكون أسهل الطرق إلى إضعاف القدرة الجماعية على التعامل معها.
الدرس الذي ينبغي أن نعيد قراءته هو أن الشرق الأوسط لا يواجه خطراً واحداً يمكن التعامل معه ثم الانتقال إلى غيره، وإنما يواجه شبكة متداخلة من المخاطر، تبدأ من الصراعات السياسية ولا تنتهي عند أمن الطاقة والمياه والغذاء والممرات البحرية، وبينها تتوزع قضايا الإرهاب والميليشيات والتدخلات الخارجية والاضطرابات الاقتصادية والتنافس على النفوذ، وكل واحدة من هذه القضايا قادرة على التأثير في الأخرى، ولذلك فإن النظر إليها منفصلة قد يمنحنا حلولاً جزئية، لكنه لا يمنحنا بالضرورة القدرة على رؤية الصورة الكاملة، فالممرات المائية على سبيل المثال لا الحصر هي واحدة من أكثر القضايا التي تكشف حقيقة الترابط الجغرافي في المنطقة، فهرمز ليس شأناً خليجياً خالصاً، وباب المندب ليس شأناً يمنياً أو عربياً محدوداً، وقناة السويس ليست مجرد ممر مصري، كما أن أمن البحر الأحمر لا يمكن فصله عن أمن الخليج أو البحر المتوسط، لأن هذه الممرات تتصل ببعضها في شبكة واحدة تتحرك عبرها الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد، وأي اضطراب في نقطة منها يمكن أن ينعكس على النقاط الأخرى، ثم ينتقل أثره من الجغرافيا إلى الاقتصاد، ومن الاقتصاد إلى الأسواق، ومن الأسواق إلى حياة الناس في مناطق بعيدة عن مكان الأزمة.
الحقيقة تفرض علينا أن نعيد تعريف مفهوم الأمن نفسه، فالأمن لم يعد يعني فقط حماية الحدود البرية ومنع الاعتداء العسكري المباشر، وإنما أصبح يعني أيضاً حماية طرق التجارة، وتأمين مصادر الطاقة، وحماية المنشآت الحيوية، وضمان حرية الملاحة، والحفاظ على استقرار سلاسل الإمداد، ومنع تحويل الممرات الدولية إلى أوراق ضغط في صراعات إقليمية، وهو تحول يجعل الأمن الوطني لأي دولة مرتبطاً بدرجة أكبر بالأمن الإقليمي والدولي، ويجعل من التعاون بين الدول المتجاورة ضرورة لا خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل.
التطور الهائل في التكنولوجيا لم يلغ هذه الحقيقة، بل ربما جعلها أكثر وضوحاً، فالعالم الذي دخل عصر الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة والاتصالات فائقة السرعة لا يزال عاجزاً عن تغيير موقع المضيق أو نقل الميناء من مكانه أو إعادة رسم السواحل وفقاً لمصالحه، وكأن الجغرافيا تقول لنا مرة أخرى إن التكنولوجيا تستطيع أن تغير أدوات القوة، لكنها لا تستطيع أن تلغي المكان الذي تقوم عليه هذه القوة، وإن امتلاك السلاح الحديث لا يعفي الدول من ضرورة فهم مواقعها الاستراتيجية ومحيطها الجغرافي، ومن هنا يمكن فهم جانب من المتغيرات التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، فقد أدركت دول عربية عديدة أن أمنها الاقتصادي والسياسي لا يمكن أن يقوم على الاعتماد على الخارج وحده، وأن بناء القوة لا يعني فقط امتلاك أدوات الردع، وإنما يعني أيضاً بناء اقتصاد قوي، وتنويع العلاقات الاقتصادية، وحماية طرق التجارة، والاستثمار في الموانئ والسواحل، وتعزيز العلاقات مع دول الجوار، لأن الدولة التي تريد أن تحمي مستقبلها لا تستطيع أن تنظر إلى حدودها السياسية باعتبارها نهاية مصالحها، بل ينبغي أن تنظر إلى ما وراء الحدود، حيث تبدأ في كثير من الأحيان مصادر الخطر ومواطن الفرص معاً.