التأطير البصري في الإعلام.. والتأثير في الرأي العام – د. يحيى جابر

أظهرت دراسات تجريبية حديثة أن اختلاف الصور المستخدمة في تغطية الحدث الواحد يمكن أن يغيّر تصورات الجمهور عن أطرافه، وأن بعض المعالجات البصرية قد تعزز التعاطف، في حين قد تؤدي معالجات أخرى إلى إثارة المقاومة النفسية وإضعاف الإقناع، كما كشفت أبحاث استخدمت تقنية تتبع حركة العين أن جذب الانتباه إلى الصورة لا يعني بالضرورة زيادة التعاطف مع الأشخاص الذين تظهرهم، وهي نتائج تضع التأطير البصري في صميم الدراسات الإعلامية المعاصرة، وتؤكد أن الصورة ليست مجرد وسيلة لتوثيق الوقائع، بل عنصر مؤثر في تفسيرها وتكوين الانطباعات عنها، وتتزايد أهمية هذه القضية مع اتساع الاعتماد على المحتوى المرئي في الصحافة والمنصات الرقمية، وتنامي استخدام الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، وتنافس المؤسسات الإعلامية على جذب انتباه الجمهور في بيئة تتدفق فيها الأخبار والمشاهد بسرعة كبيرة.

وتشير مراجعة منهجية نشرتها ستيفاني غايزه ويي شو عام 2025 إلى اتساع المجال البحثي المتعلق بالتأطير البصري، إذ شملت المراجعة 552 مقالة علمية، ثم حللت 72 دراسة تجريبية تناولت تأثيرات التأطير البصري والمتعدد الوسائط، ضمن الأدبيات المنشورة بين عامي 1979 و2023، وتكشف هذه الأرقام حجم الاهتمام العلمي بالعلاقة بين الصورة وطريقة إدراك الرسائل الإعلامية، كما توضح أهمية الانتقال من تحليل العناصر المرئية وحدها إلى دراسة تأثيرها الفعلي في الفهم والانفعال والسلوك، «المصدر- ستيفاني غايزه ويي شو، الولايات المتحدة وألمانيا، «تأثيرات التأطير البصري في البيئات الإعلامية متعددة الوسائط: مراجعة منهجية للدراسات بين عامي 1979 و2023»، دورية الصحافة والإعلام الجماهيري الفصلية، 2025».

يُقصد بالتأطير البصري اختيار العناصر المرئية وتنظيمها وتقديمها بطريقة تبرز جوانب محددة من الحدث، وتمنحها أهمية أكبر في عين المتلقي، ويشمل ذلك زاوية التصوير، والمسافة، وحجم اللقطة، وتوزيع العناصر داخل الصورة، والإضاءة، والألوان، والتوقيت، والاقتصاص، إضافة إلى العنوان والتعليق المصاحبين.

وتظهر أهمية هذه العناصر عندما يتناول الإعلام حدثاً واحداً بصور مختلفة؛ فقد تبرز صورة تجمع بشري ملامح التوتر، بينما تظهر صورة أخرى السياق العام للتجمع، وقد تركز صورة لكارثة طبيعية على حجم الدمار، في حين تبرز صورة أخرى جهود الإنقاذ والتعافي، ويمكن أن تكون الصور جميعها صحيحة، لكن اختلاف الاختيار والتكوين قد يؤدي إلى اختلاف الانطباع الذي يتشكل لدى الجمهور، وهنا ينبغي التمييز بين صحة الصورة ودقة الرسالة التي تنقلها، فالصورة الأصلية قد تصبح مضللة إذا اقتُطعت من سياقها، أو أُرفقت بتعليق غير دقيق، أو استُخدمت لإثبات تعميم لا تدعمه الوقائع، ولذلك لا تتوقف المهنية عند التحقق من أصالة الصورة، بل تشمل أيضاً التحقق من تاريخها ومكانها وصلتها بالحدث، ومدى تعبيرها عن السياق الذي تقدم فيه.

قدمت دراسة منشورة عام 2025 في دورية الاتصال البصري الفصلية مثالاً على تأثير الاختيارات البصرية في تصورات الجمهور عن الاحتجاجات الاجتماعية، إذ بحثت أثر الصور التي تركز على الصراع والمواجهة، مقارنة بالصور التي تبرز التضامن، في مواقف الجمهور تجاه المحتجين والقضية التي يعبرون عنها، وأوضحت نتائج الدراسة أن طريقة تصوير الاحتجاجات يمكن أن تسهم في تشكيل الانطباعات عن المشاركين فيها، وأن إبراز التضامن قد يساعد على تقليل بعض التصورات السلبية وتعزيز المشاعر الإيجابية في الظروف التي اختبرها الباحثون، وهو ما يبرز أهمية السياق البصري في تفسير الأحداث العامة، ولا تعني هذه النتيجة أن الصورة التي تبرز التضامن أفضل مهنياً في جميع الحالات، أو أن تصوير المواجهات يمثل ممارسة غير سليمة، فالمعيار هو أن تعكس الصورة الحدث الفعلي، وأن تقدم التغطية السياق اللازم لفهمه، دون إخفاء وقائع أساسية أو تضخيم جانب على حساب آخر، وتنطبق هذه القاعدة على تغطية المبادرات المجتمعية والفعاليات العامة والأزمات الإنسانية، إذ يستطيع اختيار الصورة أن يبرز التعاون أو الخلاف أو حجم التحديات، لكن مسؤولية المؤسسة الإعلامية تقتضي أن يكون الاختيار منسجماً مع الوقائع، لا أن يخضع لرغبة مسبقة في صناعة انطباع بعينه، «المصدر- دورية الاتصال البصري الفصلية، الولايات المتحدة، «التكوينات البصرية للصراع والتضامن: دور التأطير البصري في تشكيل تصورات الجمهور ونواياه تجاه الاحتجاجات الاجتماعية»، 2025».

لا يؤدي استخدام الصورة بالضرورة إلى تعزيز قوة الرسالة الإقناعية، فقد تنقلب بعض المعالجات البصرية إلى عامل يضعف تأثيرها عندما يشعر المتلقي بأنها تحاول فرض موقف عليه أو تقييد حريته في الاختيار، وتناولت دراسة منشورة عام 2025 في دورية أبحاث الاتصال العلاقة بين بعض الخصائص البصرية والمقاومة النفسية للرسائل الإقناعية، واختبرت تأثير زوايا التصوير، والمقابلة بين الصور، وتعبيرات الوجه في استجابات الجمهور للرسائل البيئية.

وأظهرت النتائج أن بعض المعالجات البصرية ارتبطت بزيادة الشعور بتهديد الحرية الشخصية، وارتفاع المقاومة النفسية للرسالة في الظروف التي اختبرتها الدراسة، وهو ما يشير إلى أن المبالغة في استخدام المؤثرات البصرية قد لا تحقق النتيجة التي يقصدها صانع الرسالة، وتكتسب هذه النتيجة أهمية في الحملات الإعلامية المتعلقة بالبيئة والصحة العامة والسلوك المجتمعي، إذ ينبغي ألا تعتمد الرسالة على الضغط العاطفي وحده، بل على معلومات واضحة وأدلة موثوقة وصياغة تحترم قدرة الجمهور على التقييم والاختيار، فالإقناع المهني لا يعني دفع المتلقي إلى موقف محدد بأي وسيلة، وإنما مساعدته على فهم القضية وتقدير نتائجها، ومن المهم هنا عدم تعميم نتائج التجارب على جميع الصور والجماهير، لأن تأثير الصورة يتغير باختلاف الموضوع والسياق والثقافة والخبرة السابقة، لكن الدلالة المهنية واضحة، وهي ضرورة اختبار الرسائل البصرية وعدم افتراض أن زيادة الإثارة تؤدي دائماً إلى زيادة الإقناع، «المصدر- دورية أبحاث الاتصال، الولايات المتحدة، «عندما يأتي الاتصال البصري بنتائج عكسية: التفاعل النفسي مع ثلاثة جوانب من الصور»، 2025».

تتناول دراسات الصور الإنسانية علاقة المشاهد المرئية بانتباه الجمهور وتعاطفه، خصوصاً في تغطية الحروب والكوارث وأوضاع الأطفال والنازحين، لكن النتائج تشير إلى أن الانتباه والتعاطف ليسا شيئاً واحداً، وأن الصورة التي تجذب العين لا تؤدي بالضرورة إلى استجابة إنسانية أعمق، وفي دراسة نشرتها دورية الصحافة والاتصال الصينية عام 2025، استخدم الباحثون تقنية تتبع حركة العين لفحص أثر ظهور الأطفال في الصور الإخبارية، ووجود التعليق المصاحب، ومستوى التفاصيل الصادمة، في انتباه الجمهور واستجاباته، وأظهرت النتائج أن ظهور الأطفال زاد الانتباه إلى الصور، لكنه لم يكن كافياً وحده لزيادة التعاطف، كما أن زيادة التفاصيل الصادمة لم تؤدِّ بالضرورة إلى جذب الانتباه بدرجة أكبر، وتوضح هذه النتائج أن الاستجابة البصرية والانفعالية أكثر تعقيداً من الاعتقاد بأن المشهد الأكثر إيلاماً هو الأكثر تأثيراً.