الانتخابات الإسرائيلية: الاعتراض على السياسة الداخلية

ليست الانتخابات الإسرائيلية شأناً داخلياً معزولاً عن محيطها الجيوسياسي، ولا سيما بالنسبة إلى لبنان الذي اختبر على امتداد عقود كيف يمكن للقرارات المتخذة في تل أبيب أن تتحوّل إلى وقائع ميدانية تطال أرضه وسكانه وسيادته.

إن قراءة نتائج الانتخابات الإسرائيلية لا ينبغي أن تنطلق من سؤال مَن انتصر ومَن خسر، بل من سؤال أكثر جوهرية، فهل نحن أمام تغيير في القيادة أم أمام تحوّل حقيقي في العقيدة الأمنية والسياسة الإقليمية؟

حتى الآن تشير النتائج الجزئية إلى تراجع قدرة معسكر بنيامين نتنياهو على تأمين أكثرية برلمانية مستقرة من دون أن يعني ذلك استحالة تكليفه بتشكيل الحكومة. ولا تسمح هذه المؤشرات بالجزم بأن إسرائيل تتجه نحو سياسة مختلفة تجاه لبنان إذ قد تكون مفاوضات تشكيل الحكومة أكثر تعقيداً من معركة صناديق الاقتراع نفسها.

أزمة نتنياهو

إن تراجع معسكر نتنياهو، إذا تأكد، في النتائج النهائية قد يعكس اعتراضاً داخلياً على قيادته وعلى طريقة إدارة الحروب والأزمات وعلى الانقسامات التي تعصف بالمجتمع الإسرائيلي. لكنه لا يعني تلقائياً أن الناخب الإسرائيلي قد تخلّى عن المقاربة الأمنية التي تتعامل مع لبنان من زاوية احتواء حزب الله وتقليص قدراته العسكرية.

قد تتغير الحكومة الإسرائيلية وتتبدل أولوياتها وأساليبها في التفاوض وإدارة العمليات العسكرية من دون أن يعني ذلك بالضرورة تغيّر أهدافها الأمنية الأساسية تجاه لبنان. غير أنّ تقاطع هذه الأهداف لا يلغي الاختلاف في الوسائل وكلفة المواجهة وحدود التصعيد؛ فالفارق بين حكومة تراهن على الضغط العسكري لفرض وقائع جديدة وأخرى ترى في التسوية السياسية أداة لتحقيق أهدافها الأمنية قد ينعكس مباشرة على مستقبل الاستقرار في لبنان. لذلك، لا يكفي السؤال عمّا تريده إسرائيل من لبنان بل ينبغي البحث في الأدوات التي ستختارها لتحقيق أهدافها.

الصعود العربي وحدود التأثير

يشكّل الارتفاع الكبير في التمثيل البرلماني للأحزاب العربية أحد أبرز المؤشرات السياسية في هذه الانتخابات. وهو يعكس، في جانب منه، تعبئة انتخابية متزايدة داخل المجتمع العربي ورفضاً لسياسات الحكومة السابقة وسعياً إلى تحويل الثقل الديموغرافي إلى قدرة سياسية مؤثرة.

لكنّ ارتفاع عدد المقاعد لا يعني بالضرورة زيادة مماثلة في النفوذ التنفيذي. فالأثر السياسي لهذا الصعود يتوقف على قدرة الأحزاب العربية على التأثير في مفاوضات تشكيل الحكومة وقراراتها لا سيما في الملفات الأمنية والعسكرية التي تحظى بحساسية خاصة داخل النظام السياسي الإسرائيلي. من هنا ينبغي التمييز بين وزن انتخابي قابل للقياس ونفوذ فعلي لا يتضح إلا من خلال القرارات التي تستطيع هذه الأحزاب التأثير في مسارها.

لبنان بين الرهان على الانقسامات الإسرائيلية وضرورة بناء استراتيجية وطنية

من هنا، ليس من مصلحة لبنان أن يبني حساباته على أمنيات سقوط نتنياهو كما ليس من مصلحته افتراض أن بقاءه أو عودة اليمين إلى الحكم يعنيان حتمية الحرب. فالدول لا تُدار بالأمنيات ولا تُحمى السيادة بالتمنيات الانتخابية.

تقتضي قراءة المشهد مراقبة التحالفات الإسرائيلية والعلاقة بين الحكومة والمؤسسات العسكرية والأمنية إلى جانب الدور الأميركي والتوترات الإقليمية لا سيما العلاقة مع إيران. فخيارات إسرائيل تجاه لبنان لا تتحدد داخل الكنيست وحده بل تتأثر أيضاً بشبكة المصالح والتحالفات والضغوط الدولية والإقليمية.

إن تراجع معسكر نتنياهو في النتائج النهائية قد يعكس اعتراضاً داخلياً على قيادته وعلى طريقة إدارة الحروب والأزمات وعلى الانقسامات التي تعصف بالمجتمع الإسرائيلي

لكنّ تحليل البيئة الخارجية لا يكتمل من دون مساءلة القدرة اللبنانية على التعامل معها. فالمشكلة لا تكمن فقط في طبيعة الحكومة التي ستتشكل في إسرائيل بل أيضاً في قدرة لبنان على صياغة موقف وطني متماسك إزاء المخاطر التي تفرضها التحولات الإقليمية. وكلما غابت الرؤية المشتركة حول حماية السيادة وإدارة التفاوض وتحديد مسؤوليات الدولة في الدفاع عن أراضيها ازدادت احتمالات تحوّل الانقسامات الداخلية إلى عنصر ضعف في مواجهة الضغوط الخارجية.

ولا يجوز أن يتحول إدراك التهديدات الخارجية إلى ذريعة لتعليق النقاش الوطني. فحماية لبنان تستلزم التمسك بسيادته ووحدة أراضيه وحماية المدنيين مع التمييز بين رفض الاعتداء الإسرائيلي والاختلاف الداخلي حول دور حزب الله وسلاحه. فرفض الحرب والاحتلال وانتهاك السيادة يمكن أن يشكّل أرضية وطنية مشتركة حتى مع استمرار الخلاف حول الخيارات الاستراتيجية ووسائل الدفاع عن الدولة.

الحقيقة اللبنانية

بالنسبة إلى اللبناني لا ينبغي أن تكون خسارة حزب إسرائيلي أو فوزه سبباً كافياً للاحتفال أو القلق المطلق. المعيار هو ما إذا كانت التحولات السياسية ستقود إلى حماية لبنان ووقف الاعتداءات واحترام سيادته وتهيئة الظروف لسلام عادل ومستدام.

إنّ الرهان اللبناني الحقيقي ليس على سقوط شخص أو صعود آخر بل على قدرة الدولة على قراءة التحولات الإقليمية وصياغة استراتيجية تحمي مصالحها الوطنية. فلبنان لا يستطيع التحكم في قرارات الآخرين أو تغيير موازين القوى المحيطة به لكنه يستطيع الحد من انعكاساتها عبر تحصين مؤسساته وتوحيد موقفه التفاوضي وتحويل السيادة من مبدأ معلن إلى قدرة فعلية على حماية الأرض والسكان. فالعبرة ليست بمَن انتصر في الانتخابات الإسرائيلية بل بقدرة لبنان على ألّا يبقى ساحةً يتقرر مصيرها في عواصم الآخرين.