الاستنزاف الخفي – منصور بن صالح العُمري

ليست كلُّ الأشياء التي تهزم الإنسان عظيمة؛ فقد تنجو السفينة من عاصفةٍ هوجاء، ثم يغرقها ماءٌ يتسلّل في صمتٍ من ثقبٍ صغير.

وكذلك القلب؛ قد يثبت للمصيبة الكبيرة، لأنه يستجمع لها إيمانه وصبره، ثم توهنه أشياء صغيرة لا يحسب لها حسابًا؛ كلمةٌ علقت به، وخبرٌ حمل همَّه وهو ليس من شأنه، وجدالٌ خرج منه منتصرًا في الحجة مهزومًا في السكينة، ومقارنةٌ أراه الشيطان بها ما في يد غيره، وأخفى عنه ما تفيض به يداه من النعم.

حتى يصبح المرء متعبًا... ولا يدري ممَّ تعب؛

وإنما أكلته الأشياء التي لم يكن يراها وهي تأكل منه.

فكم من كلمةٍ لم يستغرق سماعها دقيقة، واستغرقت من القلب ليلة أو ليال! وكم من موقفٍ انتهى في ساعته، ثم حمله صاحبه أيامًا؛ يعيده في خاطره، ويبدّل عباراته، ويستحضر وجوهه، حتى يعطي اللحظة العابرة عمرًا لم يكن لها.

وأعجب من ذلك أن يستنزفك ما لم يحدث أصلًا؛ حوارٌ تجريه في رأسك، وجوابٌ تعدّه لمن لم يسألك، وموقفٌ تتوقعه، وصمتٌ تفسره، ونيةٌ تنسبها إلى غيرك؛ فيتعب القلب من وقائع لم تقع، ويخسر طمأنينة الحقيقة في مطاردة احتمالات الظنون. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ).

ومن الاستنزاف الخفي أن تجعل قلبك غرفة انتظار؛ تنتظر اعتذارًا ممن أخطأ، وتقديرًا ممن أحسنت إليه، وإنصافًا ممن ظلم، وتغيّرًا ممن ألفته على حال؛ فتربط سكينتك بأبوابٍ مفاتيحها في أيدي الناس.

ومن أشقِّ ما يستنزف النفس أن تنفقها في إصلاح صورتك عند كل أحد؛ تشرح، وتبرر، وتطارد سوء الفهم، كأنك مكلَّف أن تدخل قلوب الناس جميعًا لتكتب فيها حقيقتك بيدك. وما كُلِّفت بذلك.

حسبك أن يعلم الله حقيقة أمرك؛ فما ضاع من صورتك في أعين الخلق لا يضيع عند من (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).

فتفقَّد قلبك، ولا تسأل فقط: ما الذي يؤلمني؟

فثمة أشياء لا تستحق منك علاجًا، بل تستحق منك تركًا.

كلمةٌ لا تجب عنها، وجدالٌ لا تدخله، وخبرٌ لا تتبعه، وبابٌ أغلقه الله فلا تظل واقفًا عنده، وماضٍ أخذ نصيبه من عمرك فلا تمنحه شيئًا من مستقبلك.

وتعلّم أن تعفو؛ لا لأن كل مخطئ يستحق العفو، ولكن لأن قلبك لا يستحق أن يتحول إلى مسكنٍ دائم لمن آذاه.

فإن للقلب عمرًا كما للجسد عمر، ومن الإسراف أن تنفق عمر قلبك فيما لا يقرّبك إلى الله، ولا يصلح دنياك، ولا يزيدك نورًا ولا سكينة.

وحين تبلغ أمرًا لا تملك إصلاحه ولا دفعه، فضعه حيث ينبغي أن يوضع: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ).

والتفويض ليس أن تقولها بلسانك، ثم تظل ممسكًا بالقضية بقلبك؛ التفويض أن تقولها... ثم تُخرج قلبك من الأمر.

فليس كل ما طرق قلبك يستحق أن يسكنه، ولا كل ما مرَّ بحياتك يستحق أن تحمله معك.

خفِّف قلبك؛ فقد خُلِق ليحمل الإيمان، فلا تُثقله بالعالَم كلِّه.

ليست كلُّ الأشياء التي تهزم الإنسان عظيمة؛ فقد تنجو السفينة من عاصفةٍ هوجاء، ثم يغرقها ماءٌ يتسلّل في صمتٍ من ثقبٍ صغير.

وكذلك القلب؛ قد يثبت للمصيبة الكبيرة، لأنه يستجمع لها إيمانه وصبره، ثم توهنه أشياء صغيرة لا يحسب لها حسابًا؛ كلمةٌ علقت به، وخبرٌ حمل همَّه وهو ليس من شأنه، وجدالٌ خرج منه منتصرًا في الحجة مهزومًا في السكينة، ومقارنةٌ أراه الشيطان بها ما في يد غيره، وأخفى عنه ما تفيض به يداه من النعم.

حتى يصبح المرء متعبًا... ولا يدري ممَّ تعب؛

وإنما أكلته الأشياء التي لم يكن يراها وهي تأكل منه.

فكم من كلمةٍ لم يستغرق سماعها دقيقة، واستغرقت من القلب ليلة أو ليال! وكم من موقفٍ انتهى في ساعته، ثم حمله صاحبه أيامًا؛ يعيده في خاطره، ويبدّل عباراته، ويستحضر وجوهه، حتى يعطي اللحظة العابرة عمرًا لم يكن لها.

وأعجب من ذلك أن يستنزفك ما لم يحدث أصلًا؛ حوارٌ تجريه في رأسك، وجوابٌ تعدّه لمن لم يسألك، وموقفٌ تتوقعه، وصمتٌ تفسره، ونيةٌ تنسبها إلى غيرك؛ فيتعب القلب من وقائع لم تقع، ويخسر طمأنينة الحقيقة في مطاردة احتمالات الظنون. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ).

ومن الاستنزاف الخفي أن تجعل قلبك غرفة انتظار؛ تنتظر اعتذارًا ممن أخطأ، وتقديرًا ممن أحسنت إليه، وإنصافًا ممن ظلم، وتغيّرًا ممن ألفته على حال؛ فتربط سكينتك بأبوابٍ مفاتيحها في أيدي الناس.

ومن أشقِّ ما يستنزف النفس أن تنفقها في إصلاح صورتك عند كل أحد؛ تشرح، وتبرر، وتطارد سوء الفهم، كأنك مكلَّف أن تدخل قلوب الناس جميعًا لتكتب فيها حقيقتك بيدك. وما كُلِّفت بذلك.

حسبك أن يعلم الله حقيقة أمرك؛ فما ضاع من صورتك في أعين الخلق لا يضيع عند من (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).

فتفقَّد قلبك، ولا تسأل فقط: ما الذي يؤلمني؟

فثمة أشياء لا تستحق منك علاجًا، بل تستحق منك تركًا.

كلمةٌ لا تجب عنها، وجدالٌ لا تدخله، وخبرٌ لا تتبعه، وبابٌ أغلقه الله فلا تظل واقفًا عنده، وماضٍ أخذ نصيبه من عمرك فلا تمنحه شيئًا من مستقبلك.

وتعلّم أن تعفو؛ لا لأن كل مخطئ يستحق العفو، ولكن لأن قلبك لا يستحق أن يتحول إلى مسكنٍ دائم لمن آذاه.

فإن للقلب عمرًا كما للجسد عمر، ومن الإسراف أن تنفق عمر قلبك فيما لا يقرّبك إلى الله، ولا يصلح دنياك، ولا يزيدك نورًا ولا سكينة.

وحين تبلغ أمرًا لا تملك إصلاحه ولا دفعه، فضعه حيث ينبغي أن يوضع: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ).

والتفويض ليس أن تقولها بلسانك، ثم تظل ممسكًا بالقضية بقلبك؛ التفويض أن تقولها... ثم تُخرج قلبك من الأمر.

فليس كل ما طرق قلبك يستحق أن يسكنه، ولا كل ما مرَّ بحياتك يستحق أن تحمله معك.

خفِّف قلبك؛ فقد خُلِق ليحمل الإيمان، فلا تُثقله بالعالَم كلِّه.

الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.

أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.