لم تعد الأزمة التي تواجهها إسرائيل اليوم مجرد أزمة حكومة أو خلاف سياسي حول بنيامين نتنياهو وائتلاف اليمين القومي والديني المتطرف، ولا يمكن اختزالها في تداعيات حرب غزة أو تراجع علاقاتها مع بعض الدول الغربية. فما يتكشف أمامنا أعمق من ذلك؛ إنه مأزق تاريخي وسياسي وأخلاقي يمس طبيعة المشروع الصهيوني، وأسس قيام الدولة الإسرائيلية، ومدى قدرتها على الاستمرار في فرض واقعها القائم على الاحتلال والاستيطان وإنكار الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ثم المطالبة في الوقت نفسه بالاندماج الطبيعي في الشرق الأوسط والحصول على اعتراف إقليمي ودولي مستدام.إن جوهر هذه الأزمة يعود إلى التناقض التأسيسي الذي رافق المشروع الصهيوني منذ نشأته: إقامة دولة ذات طابع قومي يهودي في فلسطين، وهي أرض كان يعيش عليها شعب فلسطيني له هويته الوطنية وتاريخه وحقوقه السياسية والتاريخية. وقد حاول المشروع تجاوز هذه الحقيقة من خلال الهجرة والتهجير والحروب والاستيلاء على الأرض والاستيطان وفرض الوقائع بالقوة، لكنه لم يستطع إلغاء الشعب الفلسطيني أو إنهاء قضيته الوطنية.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية: كيف يمكن لدولة أن تطلب الاعتراف بشرعيتها وأمنها واستقرارها، بينما تواصل إنكار حقوق شعب آخر، وتحول السيطرة على أرضه وحرمانه من تقرير مصيره إلى سياسة دائمة؟.
لم تأتِ التحذيرات من مأزق إسرائيل ومستقبل المشروع الصهيوني من خصومها الفلسطينيين والعرب وحدهم، بل صدرت أيضًا عن شخصيات سياسية وفكرية يهودية وإسرائيلية عايشت التجربة من داخلها، وأسهم بعضها في مؤسساتها السياسية والفكرية.ومن أبرز هذه الشخصيات أفراهام بورغ، الرئيس الأسبق للكنيست ورئيس الوكالة اليهودية سابقًا، الذي وجّه انتقادات جوهرية إلى طبيعة الدولة الإسرائيلية وإلى اختزال الهوية اليهودية في نموذج الدولة القومية الصهيونية. وقد حذّر من أن استمرار تعريف الدولة على أساس قومي وديني حصري، مع إدامة السيطرة على الفلسطينيين، يهدد مستقبل الديمقراطية والمساواة ويعمّق أزمة الهوية والشرعية.وتكتسب هذه المواقف أهميتها من أنها صدرت عن شخصية عرفت مؤسسات الدولة الإسرائيلية من الداخل، وسبق أن تحدث عن أزمة إسرائيل ومستقبلها، وعن صعوبة استمرارها في المنطقة دون مراجعة علاقتها بالفلسطينيين وبمحيطها العربي.وفي سياق مختلف، جاءت مواقف رونالد لاودر، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي وأحد أبرز الداعمين التقليديين لإسرائيل، لتكشف عن اتساع دائرة القلق داخل الأوساط اليهودية المؤيدة لإسرائيل نفسها. فقد حذّر في مقابلة مع صحيفة هآرتس في 23 أكتوبر 2026 من أن إعادة انتخاب نتنياهو قد تلحق أضرارًا كبيرة بإسرائيل، وانتقد تراجع ديمقراطيتها وتدهور علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا والجاليات اليهودية في الخارج. كما أعلن أنه باع أو تبرع بممتلكاته في إسرائيل، وقال إنه لا ينوي العودة إليها، مع تأكيده استمرار انتمائه الصهيوني.وتكمن أهمية موقف لاودر في أنه لا يصدر عن خصم تاريخي للصهيونية، بل عن شخصية من أبرز داعميها ومناصري إسرائيل في العالم. وهذا يجعل انتقاداته مؤشرًا على أن القلق من المسار الإسرائيلي لم يعد مقتصرًا على اليسار أو المعارضين التقليديين، بل امتد إلى شخصيات ظلت لعقود جزءًا من البيئة السياسية والمالية والدولية الداعمة لها.
كما برزت أصوات يهودية أخرى، من بينها الطبيب والمفكر التونسي الأصل جيرار حداد، الذي تحدث عن تجربته الشخصية مع الصهيونية، موضحًا أنه هاجر إلى إسرائيل وعمل طبيبًا نفسيًا في مستشفيات بئر السبع، قبل أن تقوده تجربته المباشرة إلى مراجعة قناعاته السابقة والقطيعة مع الأيديولوجيا الصهيونية.وفي شهادته، يستحضر حداد موقف المفكر الإسرائيلي يشعياهو ليبوفيتش، وانتقاده المبكر لقتل الأطفال الفلسطينيين وممارسات الاحتلال، ويؤكد أن اليهودية ليست الصهيونية، وأن انتقاد سياسات إسرائيل لا يعني معاداة اليهود. بل يذهب إلى أن رفض الأيديولوجيا التي تبرر الظلم قد يصبح واجبًا أخلاقيًا، وأن ما يسمى أحيانًا خيانة للصهيونية قد يكون موقفًا أخلاقيًا تجاه الإنسان وحقوقه.وتختلف هذه الشخصيات في منطلقاتها ومرجعياتها ودرجة نقدها للصهيونية، لكن مواقفها تكشف أن الفكر اليهودي ليس كتلة واحدة، وأن هناك مراجعات عميقة للعلاقة بين اليهودية والدولة الإسرائيلية والصهيونية، وللثمن الأخلاقي والسياسي الذي يدفعه اليهود نتيجة سياسات الاحتلال والحروب.
الصهيونية واليهودية: المشروع الاستعماري والتناقض التأسيسي
من الضروري، في سياق تحليل مأزق المشروع الصهيوني، التمييز بين اليهودية بوصفها دينًا وتراثًا وهوية ثقافية وتاريخية متعددة، وبين الصهيونية بوصفها حركة سياسية قومية نشأت في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، وتطورت في سياق التحولات القومية والاستعمارية الأوروبية.
لقد استفادت الحركة الصهيونية من الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في أوروبا، ومن إخفاق المجتمعات الأوروبية في توفير الحماية والمساواة لهم، لكنها ربطت معالجة القضية اليهودية بمشروع إقامة دولة في فلسطين، متقاطعة في مراحل تأسيسها مع المصالح الاستعمارية الأوروبية، ولا سيما بريطانيا، وصولًا إلى وعد بلفور عام 1917 والانتداب البريطاني.
ومن هنا ينبغي قراءة المشروع الصهيوني في سياقه التاريخي؛ فقد التقت طموحات الحركة الصهيونية مع مصالح قوى استعمارية أوروبية رأت في إقامة كيان موالٍ لها في فلسطين وسيلة لخدمة مصالحها الإستراتيجية في المنطقة. وهكذا لم تكن فلسطين مجرد وجهة هجرة، بل أصبحت موضوع مشروع استيطاني سياسي ارتبط بإعادة تشكيل الأرض والسكان والسلطة.
إن التناقض الجوهري هنا أن الصهيونية ادعت تحقيق مصالح اليهود وأمنهم التاريخي، لكنها جعلت تحقيق ذلك مرتبطًا بمواجهة الشعب الفلسطيني وحرمانه من حقوقه الوطنية. وبذلك وضعت اليهود أنفسهم في قلب صراع طويل لم يكن لهم جميعًا اختيار المشاركة فيه أو تحمل تبعاته.
ولا يعني نقد الصهيونية الانتقاص من حق اليهود في الأمن والكرامة والمساواة، كما لا يعني تحميل اليهود جماعيًا مسؤولية سياسات إسرائيل. بل إن الفصل بين اليهودية والصهيونية ضرورة فكرية وأخلاقية، حتى لا يتحول الصراع السياسي إلى مواجهة دينية أو هوياتية.
غزة: انكشاف حدود القوة وأزمة الشرعية الدولية
شكل السابع من أكتوبر 2023 وما أعقبه من حرب إسرائيلية مدمرة على قطاع غزة منعطفًا مهمًا في مسار الصراع، ليس فقط بسبب حجم الخسائر البشرية والدمار، وإنما بسبب ما كشفه من تناقضات في السياسة الإسرائيلية وعلاقتها بالعالم.