عندما، تمتد صواريخ الميليشيات الإرهابية إلى المساجد ، فإن الأمر لا يعود مجرد اعتداء عسكري على موقع مدني، بل يتحول إلى انتهاك صريح لحرمة أماكن يفترض أن تبقى بعيدة عن الصراع، ومحاولة لفرض منطق القوة على المدنيين والمقدسات معاً. ويأتي استهداف الميليشيا الحوثية الإرهابية مسجداً وعدداً من المباني السكنية والمركبات المدنية في منطقة جازان ليكشف مجدداً طبيعة النهج الذي تتبعه هذه المليشيا، ويضع سلوكها أمام اختبار واضح لا يحتاج إلى كثير من التأويل، فالمليشيا التي تستهدف المدنيين ودور العبادة تؤكد عملياً أنها لا تقيم وزناً للحدود التي تفصل العمل العسكري عن استباحة حرمات المجتمع ومقدراته. ولا يمكن فصل هذا الاعتداء عن السياق الأوسع الذي تتحرك فيه الميليشيات المسلحة في المنطقة، خصوصاً مع استهداف الميليشيات العراقية الإرهابية لمنطقة المدينة المنورة يوم أمس الأول. والتزامن في استهداف مواقع ترتبط بالمدنيين والمقدسات يثير مخاوف جدية من اتساع نمط تستخدم فيه الجماعات المسلحة الأماكن المدنية والدينية ضمن حسابات الصراع، من دون اعتبار لما تمثله هذه المواقع من حرمة دينية وحماية قانونية، وهو ما يستدعي قراءة هذه الاعتداءات باعتبارها تهديداً يتجاوز حدود الحادثة المنفردة. واستهداف المسجد في جازان يضع الخطاب الديني للميليشيا أمام تناقض صارخ. فالجماعة التي تحاول تقديم نفسها عبر شعارات دينية لا تستطيع تفسير استهداف بيت من بيوت الله، ولا يمكنها الجمع بين الحديث عن الدين وممارسة تنتهك حرمة المساجد وتعرض المدنيين للخطر. الفارق هنا واضح بين الشعارات والممارسة، فالمواقف لا تقاس بما تقوله الجماعات المسلحة عن نفسها، وإنما بما تفعله على الأرض، وما تكشفه هذه الممارسات من استعداد لتجاوز الحرمات عندما تتعارض مع أهدافها السياسية. استباحة دور العبادة تعري خطاب الحوثي الديني الزائف وتؤكد المبادئ الإسلامية صيانة المساجد واحترام دورها في العبادة وذكر الله، وتحرم الاعتداء على الأبرياء وانتهاك الحرمات. ومن هذه الزاوية، فإن استهداف مسجد ومحيطه المدني لا يمثل فقط اعتداءً على منشأة، بل يكشف استخفافاً بالقيم التي يفترض أن تحكم سلوك المسلم في أوقات السلم والحرب. وتزداد خطورة الأمر عندما يتحول الخطاب الديني إلى وسيلة لتغطية أعمال العنف، لأن توظيف المقدسات في الصراع السياسي يفرغ الخطاب الديني من مضمونه ويحوّله إلى أداة تعبئة وتحريض. ولا تقف المسألة عند الجانب الديني، فدور العبادة والأعيان المدنية تحظى بحماية واضحة في إطار القانون الدولي الإنساني، الذي يفرض التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، ويحظر توجيه الهجمات ضد المدنيين والمنشآت التي لا تشارك في الأعمال العسكرية. وعليه، فإن استهداف مسجد ومبانٍ سكنية ومركبات مدنية يمثل انتهاكاً خطيراً لقواعد حماية المدنيين، ولا يمكن تبريره بمجرد اعتبارات سياسية أو عسكرية، خصوصاً عندما تكون الأهداف المستهدفة بعيدة عن طبيعة العمليات العسكرية المباشرة. وتكشف الهجمات المتكررة على الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية أن السلوك الحوثي لا يرتبط بموقع واحد أو حادثة محددة، بل يعكس نمطاً عدائياً يستهدف مقومات الحياة والاستقرار. فالإضرار بالمرافق المدنية لا يقتصر أثره على الخسائر المباشرة، وإنما يمتد إلى أمن السكان، واستمرارية الخدمات، والنشاط الاقتصادي، وشعور المجتمع بالأمان. وعندما تصبح المنشآت المدنية جزءاً من أدوات الضغط العسكري، فإن ذلك يعني أن المليشيا الحوثية تتعامل مع حياة الناس ومصالحهم باعتبارها وسيلة في الصراع، لا باعتبارها خطوطاً لا يجوز تجاوزها. ويظهر هذا النهج كذلك في التناقض بين الحديث عن السلام والسلوك الميداني. فالسلام لا يمكن أن يبنى على الصواريخ والمقذوفات التي تستهدف الأحياء والمنشآت المدنية، ولا يمكن لأي مسار سياسي أن يستقيم في ظل استمرار تهديد السكان والمقدرات الوطنية. وتبقى الأفعال على الأرض هي المعيار الحقيقي لقياس جدية أي خطاب عن التهدئة أو التسوية، لأن وقف التصعيد لا يتحول إلى واقع إلا عندما يقترن بوقف الاعتداءات واحترام قواعد حماية المدنيين. أما البعد الإقليمي، فيتجاوز حدود الهجوم على جازان إلى طبيعة التهديد الذي تمثله الميليشيات المسلحة عندما تتحرك خارج إطار الدولة وتستخدم القوة لفرض أهداف سياسية. والتزامن بين الاعتداء الحوثي وما تعرضت له منطقة المدينة المنورة من استهداف من جانب ميليشيات عراقية إرهابية يفرض الانتباه إلى خطورة اتساع هذا النمط، خصوصاً إذا تحولت المقدسات والأعيان المدنية إلى أهداف ضمن صراع تتداخل فيه أجندات جماعات مسلحة عابرة للحدود. ولا يعني ذلك القفز إلى استنتاجات غير مثبتة بشأن وجود تنسيق مباشر بين هذه الجماعات، لكن تشابه السلوك وتزامن الاستهدافات يقدمان مؤشراً مقلقاً على طبيعة البيئة الإقليمية التي تتحرك فيها الميليشيات، حيث تتراجع اعتبارات الدولة والقانون والمصلحة العامة أمام حسابات جماعات مسلحة تمتلك أجندات تتجاوز حدود الدول التي تنشط فيها. وهذه المعادلة تضع الأمن الإقليمي أمام تحدٍ يتطلب موقفاً أكثر وضوحاً في مواجهة استهداف المدنيين والمقدسات. وتتحمل الميليشيا الحوثية مسؤولية مباشرة عن النتائج التي تترتب على استمرار هذا النهج، خصوصاً أن استهداف المملكة ومقدراتها الوطنية ليس سلوكاً طارئاً، بل جزء من مسار طويل من الاعتداءات التي طالت مناطق ومنشآت مدنية. ويكشف تكرار هذه الهجمات عن استخفاف بالجهود السياسية والإقليمية الرامية إلى الوصول إلى حلول تحفظ أمن اليمن واستقراره، كما يوضح أن المليشيا الارهابية الحوثية لا تزال تراهن على القوة والضغط العسكري بدلاً من الاحتكام إلى المسار السياسي. وفي المقابل، تواصل المملكة التعامل مع هذه التهديدات من منطلق مسؤوليتها في حماية سيادتها وأمنها الوطني وسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها، وحماية منشآتها ومقدراتها الحيوية. وهذه المسؤولية لا تتعارض مع دعم الحلول السياسية أو السعي إلى استقرار المنطقة، بل تمثل شرطاً أساسياً لحماية هذا المسار من المليشيات التي تحاول فرض واقع جديد باستخدام القوة. وتملك الدول، وفق قواعد القانون الدولي، حق الدفاع عن نفسها في مواجهة الاعتداءات التي تستهدف أمنها وسلامة أراضيها وسكانها. وفي حالة المملكة ، فإن حماية الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية ودور العبادة من الهجمات تمثل أولوية أمنية لا يمكن التساهل معها، خصوصاً عندما تثبت التجربة أن مصادر التهديد تعاود استخدام الوسائل ذاتها كلما سنحت لها الفرصة. صواريخ الحوثي تتجه إلى المساجد ويضع هذا الواقع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تتجاوز بيانات الإدانة التقليدية. فاستهداف المساجد والمدنيين والمنشآت المدنية لا ينبغي أن يتحول إلى سلوك معتاد في الصراعات الإقليمية، لأن التساهل معه يضعف منظومة حماية المدنيين ويمنح الجماعات المسلحة مساحة أكبر لاستخدام العنف لتحقيق مكاسب سياسية. المطلوب هو التعامل مع هذه الانتهاكات وفق القواعد القانونية الدولية، وتعزيز آليات المساءلة والردع بما يمنع تكرارها. وتؤكد حادثة جازان أن الخطر الحوثي لا يكمن في المقذوف الذي يستهدف موقعاً محدداً فحسب، وإنما في النهج الذي يقف خلف إطلاقه، وهو نهج يضع المدنيين والمقدسات والمنشآت الحيوية ضمن دائرة الاستهداف. وعندما يصل التصعيد إلى المساجد ودور العبادة، فإن الرسالة تصبح أكثر خطورة، لأنها تعني أن الجماعة لا تضع حدوداً واضحة بين الأهداف العسكرية والمواقع التي يجب أن تبقى محمية في جميع الظروف. و يكشف استهداف المسجد والأعيان المدنية في جازان عن وجه واضح لنهج يقوم على استخدام القوة ضد المدنيين ومقدرات الدولة، ويتناقض مع حرمة دور العبادة والقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني. كما يكشف الفارق بين الخطاب الديني الذي تحاول الميليشيا تسويقه وبين ممارساتها الفعلية، ويؤكد أن حماية المواطنين والمقيمين والمقدسات والمنشآت الحيوية ستظل مسؤولية سعودية ثابتة، وأن التعامل مع مصادر التهديد سيستمر بما يحفظ السيادة والأمن الوطني ويمنع انتقال الخطر إلى نطاق أوسع في المنطقة. صواريخ المليشيا الحوثية الارهابية تستهدف المساجد في المملكة