في شارع الثميري -وسط الرياض- تبدو التفاصيل وكأنها تتحرك بين زمنين مختلفين، فعند أحد الممرات الضيقة، يقف رجل مسنّ أمام محل قديم للعطور، يرتب عبوات العود والبخور بالطريقة نفسها التي اعتاد عليها منذ سنوات طويلة، بينما تمر بجواره مجموعة من الفتيات يتبادلن أماكن التصوير المناسبة أمام الأبواب الخشبية والجدران الطينية، وفي زاوية أخرى، يحمل شاب كوب قهوة مختصة ويتأمل واجهات المحلات القديمة قبل أن يرفع هاتفه لتوثيق المشهد، هذا التداخل بين المشاهد القديمة والحياة الجديدة لم يعد استثناءً في الثميري، بل أصبح جزءًا من هويته الحالية، فالشارع الذي كان يُعرف قديمًا كسوق شعبي يرتبط بحياة سكان الرياض اليومية، تحوّل اليوم إلى مساحة مختلفة تمامًا؛ مساحة يلتقي فيها التراث مع الموضة، والتاريخ مع صناعة المحتوى، والذاكرة القديمة مع ذائقة جيل جديد يحاول أن يجد طريقته الخاصة في فهم الأماكن التاريخية. وخلال الأعوام الأخيرة، تغيّرت علاقة الناس بالمناطق التراثية بشكل واضح، ولم تعد زيارة هذه الأماكن مرتبطة فقط بالحنين أو الاهتمام بالتاريخ، بل أصبحت أيضًا جزءًا من أسلوب الحياة لدى كثير من الشباب، بعضهم يأتي للترويح عن النفس، وآخرون لتجربة المقاهي أو شراء المنتجات اليدوية، بينما يبحث كثيرون عن صورة تعبّر عن "الهوية السعودية" بشكل مختلف عن الصورة التقليدية المعتادة، وفي الثميري تحديدًا، يبدو هذا التحول أكثر وضوحًا من أي مكان آخر. فضول وتجربة ومنذ اللحظة الأولى داخل شارع الثميري، يمكن ملاحظة أن المكان لم يعد يعيش الإيقاع القديم نفسه، الحركة اليوم أسرع، والوجوه أكثر تنوعًا، وطبيعة الزوار مختلفة عمّا كانت عليه قبل سنوات طويلة، يقول أبو إبراهيم العواد -أحد الباعة القدامى-: إن السوق سابقًا كان يعتمد على الزبائن الدائمين، حيث يعرف التاجر معظم من يدخل إلى محله، مضيفاً أن الزيارة كانت مرتبطة بالحاجة اليومية أو التسوق المعتاد، أمّا اليوم فالكثير من الزوار يأتون بدافع الفضول أو التجربة أو حتى التصوير فقط، مشيراً إلى أن طبيعة الشراء نفسها تغيرت، ففي الماضي، كان التركيز على جودة السلعة أو فائدتها، بينما أصبح كثير من الزوار اليوم يهتمون بشكل المنتج وطريقة تقديمه وتغليفه، خاصةً مع انتشار ثقافة الهدايا والتصوير ومشاركة التفاصيل اليومية عبر منصات التواصل الاجتماعي، ذاكراً أن هذا التغيير انعكس على شكل المحلات أيضًا، فبعض المتاجر القديمة بدأت تضيف لمسات حديثة في الإضاءة أو طريقة العرض أو التغليف لتناسب ذوق الجيل الجديد، بينما ظهرت مشاريع صغيرة تحاول تقديم التراث بأسلوب عصري يجمع بين الهوية المحلية والشكل الحديث. روح التراث واللافت في شارع الثميري أن كثيرًا من الشباب الذين يترددون على المكان اليوم لم يعيشوا مرحلته القديمة أصلًا، فعلاقتهم بالمكان ليست علاقة ذكريات مباشرة، بل علاقة اكتشاف، وبالنسبة للكثير منهم، يمثل الثميري صورة مختلفة للرياض؛ صورة أكثر هدوءًا وبساطة وارتباطًا بالجذور، بعيدًا عن إيقاع المدينة السريع والمجمعات الحديثة المتشابهة. وأوضحت مرام -إحدى الشابات التي كانت تتجول مع صديقاتها في الشارع- أن أكثر ما يجذبها في المكان هو "الإحساس"، مضيفةً أن الثميري يمنحها شعورًا مختلفًا عن أي مكان آخر في الرياض، حتى وإن كانت لا تعرف تفاصيل كثيرة عن تاريخه، مبينةً أن الجيل الجديد أصبح يبحث أكثر عن الأماكن التي تحمل طابعًا محليًا واضحًا، سواء في التصميم أو الأجواء أو المنتجات، معتبرةً أن هذا التوجه ساهم في إعادة الاهتمام بالمناطق التراثية بعد سنوات طويلة كانت فيها بعيدة عن اهتمامات الشباب، مشيرةً إلى أن هذا الحضور الشبابي غيّر طبيعة المكان بشكل واضح، فالثميري لم يعد مجرد سوق قديم، بل أصبح مساحة اجتماعية وثقافية أيضًا؛ مكانًا يلتقي فيه الناس، ويقضون وقتهم، ويصنعون محتوى، ويجربون منتجات جديدة تحمل روح التراث، ولكن بطريقة تناسب العصر الحالي. تفاصيل المكان وفي أوقات المساء، تبدو الكاميرات والهواتف جزءًا من المشهد اليومي في الثميري، مجموعات من الشباب يصورون مقاطع قصيرة، وفتيات يلتقطن الصور أمام المباني القديمة، وزوار أجانب يوثقون تفاصيل المكان، بينما تحاول بعض المحلات جذب الانتباه عبر تصميمات تجمع بين الطابع التراثي واللمسات الحديثة، هذا الحضور الكثيف لـ"السوشال ميديا" غيّر شكل العلاقة بالمكان بشكل كبير، فالكثير من الشباب تعرّفوا على الثميري لأول مرة من خلال "تيك توك" أو "إنستغرام"، وأصبح المكان بالنسبة لهم جزءًا من "التجربة" التي يرغبون في عيشها ومشاركتها مع الآخرين، لكن هذا التحول يطرح في المقابل تساؤلات مهمة حول طبيعة العلاقة الحالية مع التراث، فهل أصبح الاهتمام بالمكان نابعًا من قيمته التاريخية فعلًا، أم من كونه موقعًا مناسبًا للتصوير وصناعة المحتوى؟، فبعض المهتمين بالتراث العمراني يرون أن "السوشال ميديا" لعبت دورًا إيجابيًا في إعادة الحياة إلى الأماكن التاريخية وجذب الشباب إليها، لكنها في الوقت نفسه قد تختصر المكان أحيانًا في صور سريعة ومشاهد بصرية دون التعمق في قصته الحقيقية، ويؤكدون أن الخطر لا يكمن في التصوير أو التحديث، بل في أن يتحول التراث إلى "شكل" فقط، منفصل عن الحكايات والناس والذاكرة التي صنعت المكان عبر عقود طويلة. مشاريع شبابية وإلى جانب الزوار، دخل جيل جديد أيضًا إلى الثميري بصفته صاحب مشروع، لا مجرد متفرج، فخلال الأعوام الأخيرة، ظهرت مشاريع شبابية صغيرة تحاول استثمار الطابع التراثي للمنطقة بطريقة مختلفة؛ من المقاهي والعطور والمنتجات اليدوية إلى الهدايا المستوحاة من الثقافة المحلية. وقالت الجازي الرشود -إحدى صاحبات المشاريع الصغيرة في نشاط الهدايا التراثية-: إن الشباب اليوم لا يرفضون التراث كما يعتقد البعض، لكنهم يريدونه بطريقة أقرب إليهم من حيث الشكل والتجربة، مضيفةً أن تقديم المنتجات التراثية بتصميم حديث أو تغليف أنيق ساعد في جذب فئات جديدة من الزوار، خاصةً أن الجيل الحالي يهتم كثيرًا بالتفاصيل البصرية وبفكرة "التجربة الكاملة" للمكان، مبينةً أن نجاح المشاريع الحديثة داخل المناطق التراثية لا يعني بالضرورة تشويه الهوية، بل قد يكون وسيلة للحفاظ عليها وإبقائها حاضرة في حياة الناس بدلاً أن تبقى مجرد مواقع يزورها عدد محدود من المهتمين بالتاريخ، لكن في المقابل، يخشى البعض من أن يؤدي هذا الاتجاه مع الوقت إلى طغيان الشكل التجاري على روح المكان الأصلية، خاصةً إذا أصبحت المشاريع تركّز فقط على جذب الزوار بصريًا دون أي ارتباط حقيقي بتاريخ المنطقة أو ثقافتها. جمهور قديم وعلى الرغم من الحضور الكبير للشباب، ما زال الثميري يحتفظ بجزء من جمهوره القديم؛ رجال اعتادوا زيارة السوق منذ سنوات طويلة، ويعرفون تفاصيله قبل أن يتحول إلى وجهة مشهورة بين الشباب والسياح. وأكد أبو عمران العمران -أحد كبار السن الذين يجلسون يوميًا قرب المحلات القديمة- على أن المكان أصبح أجمل وأكثر حركة من السابق، لكنه يشعر أحيانًا أن العلاقة بالمكان أصبحت أخف وأسرع، مضيفاً أن كثيرًا من الزوار اليوم يأتون للتصوير أو الجلوس لفترة قصيرة ثم يغادرون، بينما كان السوق في الماضي جزءًا من حياة الناس اليومية وعلاقاتهم الاجتماعية، وهذا التغير لا يعني بالضرورة أن المكان فقد قيمته، لكنه يعكس اختلافًا واضحًا بين جيل عاش الثميري كسوق حقيقي، وجيل يراه اليوم كمساحة تجربة وهوية ومحتوى. تحدٍّ حقيقي ورأت د. حصة أبو زيد -قسم التاريخ والتراث- أن التحولات التي يشهدها شارع الثميري اليوم تعكس سؤالًا أوسع يتعلق بطريقة تعامل المجتمع مع التراث، وليس بالمكان وحده، وتوضح أن أي منطقة تاريخية تحتاج بطبيعتها إلى التطوير والتجديد حتى تبقى حاضرة في حياة الناس وقادرة على جذب الأجيال الجديدة، إلاّ أن هذا التطوير قد يتحول إلى تحدٍ حقيقي إذا فقدت الأماكن روحها الأصلية وأصبحت مجرد نماذج تجارية متشابهة، مضيفةً أن ما يحدث في الثميري يمثل حالة دقيقة بين المحافظة على الهوية والانفتاح على أنماط الحياة الحديثة، مبينةً أن حضور الشباب والمشاريع الجديدة أعاد الحيوية إلى المنطقة وخلق علاقة مختلفة بين الجيل الجديد والتراث، لكنه في المقابل غيّر شكل المكان وطبيعة التفاعل معه، مؤكدةً على أن الخلاف الدائر اليوم لا يتعلق برفض الحداثة أو القبول بها، بل بكيفية تقديم التراث دون اختزاله في صورة بصرية أو تجربة استهلاكية سريعة، مشيرةً إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في أن يتحول التراث إلى "خلفية جميلة" تُستخدم للتصوير فقط، بعيدًا عن قيمته الثقافية والتاريخية، موضحةً أن المدن بطبيعتها تتغير مع الوقت، والرياض تعيش اليوم مرحلة تحول كبيرة تحاول خلالها الحفاظ على ذاكرتها التاريخية بالتوازي مع التطور العمراني والثقافي المتسارع، مشددةً على أن المطلوب ليس إعادة الثميري كما كان قبل عقود، بل الحفاظ على معناه وروحه وهويته الأصلية، حتى يبقى مكانًا يحمل ذاكرة حقيقية لا مجرد مشهد عابر على شاشة الهاتف. حرص السياح على الحضور للثميري التقاء الحداثة بالذاكرة القديمة حكايات الرياض في شوارعها القديمة