جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة -لن يكون من السهل تثبيت مسار خاص بلبنان بمعزل عن المسار العام الذي اتخذته الحرب الأميركية - اللبنانية وما أفرزته من اصطفاف دولي - إقليمي. وإذا كانت الولايات المتحدة في صدارة المشهد كقوّة عظمى تملك حق «الفيتو» في الأمم المتحدة، فإنّ ثمة دولاً عظمى أدّت أدواراً في الكواليس، وفّرت الدعم لطهران في مواجهتها القاسية مع واشنطن، وفي مقدّمها الصين وروسيا. وكان هذا الدعم متعدِّد الوجه: سياسياً، إقتصادياً، عسكرياً. لذلك فإنّ النتائج المباشرة وغير المباشرة لهذه الحرب تعني حتماً هاتَين الدولتَين اللتَين غابتا عن الصف الأمامي، وكانتا حاضرتَين بقوّة في المقاعد الخلفية، كقوّة إسناد تلمّس المراقبون آثارها.ويقول أحد الخبراء الذين واكبوا وقوعات الحرب الأخيرة بتطوُّراتها ومضاعفاتها، أنّ ثمة نظاما دولياً - إقليمياً شرع يتشكّل، فيما لا تزال ملامحه غامضة باستثناء ما يجري التداول به عبر التقارير السياسية والإعلامية. والواضح أنّ أحادية القطب بدأت تضمر وتتقلّص على مسرح السياسة العالمية، لصالح ثنائية تتموضع فيها الدول بحسب مصالحها. والسؤال: أين هو لبنان مما يجري رسمه في الكواليس الدولية - الإقليمية؟ هل يستطيع أن يتموضع في هذا المحور أو ذاك، أو يحاول النأي بالنفس؟إنّ السير في أحد هذه الخيارات الاستراتيجية يقتضي الحدّ الأقصى من التضامن الداخلي بين المكوّنات اللبنانية وقواها السياسية الرئيسة، وهو أمر غير متاح في المرحلة الراهنة بسبب الانقسام العمودي الذي يقارب الشرخ. وبالتالي، فإنّ الإفادة من رياح التغيير المقبلة على المنطقة، وتحويلها إلى رافد إيجابي يصبّ لصالح الاستقرار في لبنان، تُحتِّم إعتماد مقاربة جديدة وجادة تؤسس لصيغة تُحدِّد موقع بيروت على الخارطة السياسية الجاري رسمها، والتي قد تمسك بزمام العالم ومنطقة الشرق الأوسط، ولاسيما الدول العربية، لعقود طويلة من الزمن.من هنا، يجد الخبير نفسه، أنّه بات لزاماً إعداد العدّة لحوار لبناني - لبناني موسّع لا يستثني فريقاً، من أجل العمل على بلورة رؤية وطنية شاملة وموحّدة من الموضوعات المطروحة، وهي موضوعات مصيرية لا إشكالية. وذلك من خلال مؤتمر دائم يُعقَد لهذه الغاية، ويكون برلماناً سياسياً - شعبياً داعماً بمشروعيّته البرلمان الشرعي ومتكاملاً معه. ويضيف الخبير عينه، أنّه من الطبيعي أن يضطلع بأعباء هذه المهمّة الحساسة، والتي لا تحتمل التأجيل، رئيس الجمهورية، كونه بموجب الدستور رئيس البلاد ورمزاً لشرعيّتها وضامناً لوحدتها. وإنّ مثل هذا المؤتمر الشامل له فاعلية ومشروعية تتجاوزان أي أطر أخرى، باستثناء المؤسسات الدستورية التي تناط بها الموضوعات التشريعية كالمجلس النيابي والآليات التنفيذية للقوانين كمجلس الوزراء. فالقمة الروحية مثلاً توفّر إحاطة معنوية، واللقاءات النخبوية تضفي على المبادرات لبوساً وطنياً، لكن عند تقرير المصير وتحديد خيارات الدولة الاستراتيجية لا مفرّ من الإجماع اللبناني لعدم إعطاء الذريعة للطعن بميثاقية أي قرار لا يحظى بالإجماع المطلوب.ويرى سياسي متابع لتطوُّرات الأحداث، أنّه مهما ستسفر عنه المفاوضات التي تلت «مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية» التي جرى التوافق عليها في «إسلام آباد» وتوقيعها في «جنيف»، فإنّ تطبيقها على أرض الواقع يجب أن يأخذ في الاعتبار الواقع «الجيو-سياسي» للبلدان المعنية بها، وأنّ اشتراط طهران أن يكون وقف النار في لبنان وإصرارها على هذا الأمر، كاد يجعل المذكّرة في دائرة الخطر، ويُعيد الوضع إلى نقطة البداية. كل ذلك في الوقت الذي يستمر مسار واشنطن الذي تتمسك به الدولة اللبنانية، وتحاول من خلاله التوصُّل إلى وضع برنامج زمني للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان وجدولته. ومع أنّ لا ثقة بنيات إسرائيل التي اعتادت النكوث بوعودها وتعهُّداتها، فإنّ لبنان الرسمي يرى أنّ المحاولة تبقى خياراً ممكناً إذا كان الهدف محدّداً ومعروفاً: الانسحاب من الأراضي التي احتلّتها.أخيراً، لا يكفي وقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيل وتحرير الأسرى وعودة النازحين وبدء الإعمار للقول إنّ الحرب وضعت أوزارها. هناك عناوين لا تقلّ خطورة: شكل الاتفاق مع الدولة العبرية: هدنة، ترتيبات أمنية جديدة، معاهدة سلام؟ والأهم من ذلك كلّه، أين سيكون لبنان في نظام عالمي - إقليمي جديد على وشك الولادة، والذي لن تكون الأحادية قدره؟