410 غرامات من الحياة… قصة بيتر أصغر طفل ولد في لبنان وعاش (فيديو)

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

تنظر نغم بولس إلى صور ابنها بيتر داخل الحضانة في وحدة العناية الفائقة لحديثي الولادة في مركز كسروان الطبي، وكأنها تستعيد فصلاً كاملاً من حياتها في لقطة واحدة.

اليوم، يبلغ بيتر من العمر عشر سنوات، لكن قصته بدأت قبل أوانها بكثير، حين وُلد في الأسبوع الرابع والعشرين من الحمل بوزن لم يتجاوز الـ 410 غرامات، ليصبح أصغر طفل يولد بهذا الحجم في لبنان.

قد تبدو القصة أقرب إلى المعجزة بالنسبة إلى كثيرين، إلا أن بيتر الذي كان يوماً يصارع من أجل كل نفس، أصبح اليوم طفلاً يركض ويلعب ويملأ المنزل حركة وضحكاً. بالنسبة إلى والدته، تجسد قصته معنى التمسك بالحياة، وتؤكد أن ما يبدو مستحيلاً في لحظة ما قد يصبح واقعاً بفضل الإصرار والرعاية والصبر والإيمان.

لكن الطريق إلى هذه النهاية لم تكن سهلة. فلم تتخيل نغم يوماً أنها ستجد نفسها في قلب هذه التجربة القاسية، وهي التي تعمل مسؤولة في قسم الولادة والأمومة؛ فقد وجدت نفسها فجأة على الجانب الآخر من المشهد، بعدما تعرضت في الأسبوع السادس عشر من الحمل لانفصال في المشيمة لتبدأ رحلة طويلة من الخوف والترقب والأمل.

ثمانية أسابيع كاملة أمضتها نغم بين الألم والتشنّجات والخوف، متمسكة بحملها الهشّ قدر الإمكان. كان خيط رفيع فقط يفصل بين استمرار الحمل وفقدانه، لكنها تشبثت به كما لو أنه الفرصة الأخيرة لإنقاذ جنينها. ومع بلوغها الأسبوع الرابع والعشرين، لم يعد ممكناً تأجيل الولادة أكثر، وبات التدخل الطبي ضرورياً لإنقاذ الطفل.

بيتر بولس في العناية الفائقة للأطفال حديثي الولادة الخدج في مركز كسروان الطبي (النهار- آب 2016)

في تلك اللحظة، اختبرت نغم كل المشاعر دفعة واحدة: الخوف والرجاء والقلق والارتباك. ثم وُلد بيتر، لتبدأ مع ولادته معركة أخرى. تروي لـ"النهار" "كان صغيراً جداً، وعندما أخبروني أن وزنه لا يتجاوز الـ 410 غرامات، شعرت بخوف هائل. كنت أعرف جيداً أن فرص النجاة في مثل هذا العمر الحملي، وهذا الوزن، ضئيلة جداً".

تتذكر نغم كيف كانت تدخل إلى وحدة العناية الفائقة الخاصة بالأطفال الخدّج، فتقترب من بيتر، وتضع يدها فوق رأسه، فتشعر أن كفّها تكاد تغطي جسده كلّه.

كانت تجلس إلى جانبه، تهمس له بأنها هنا، وحين يسمع صوتها كان يرفع يده الصغيرة ويلامس بها يد والدته. اليوم، بعد عشر سنوات على تلك اللحظات، يجلس بيتر في حضن نغم ويهمس لها "لن أتركك أبداً… أحبك ماما".

بين المشهدين، تختصر نغم سنوات من القلق والانتظار. تستعيد تلك المرحلة قائلة "كانت فترة قاسية جداً. كنا نعيش يوماً بيوم، وننتظر رنين الهاتف لمعرفة أيّ تطور في وزنه أو حالته الصحية".

كانت نغم تمضي الوقت إلى جانبه تتأمله وتغنّي له، فيما كانت هشاشة جسده تعكس الواقع الطبي الأقسى، إلى حدّ أن الطاقم اضطر إلى استخدام كمامة كحفاض له، بسبب صغر حجمه الشديد.

أمضى بيتر 140 يوماً داخل الحضانة، تحت مراقبة طبية دقيقة ومستمرة، تلقّى خلالها الأدوية ونقل الدم والأكسجين وكل ما احتاجه جسده الصغير ليبقى على قيد الحياة.

تصف والدته تلك المرحلة بأنها كانت "رحلة مليئة بالمفاجآت، بعضها كان مطمئناً وبعضها الآخر بالغ الصعوبة"، قبل أن تضيف: "لكننا اليوم ننظر إلى ذلك المسار بفرح وامتنان كبيرين".

بيتر يتلقى العلاج في مركز كسروان الطبي (النهار- آب 2016)

حين غادر بيتر مركز كسروان الطبي، كان وزنه قد تجاوز الكيلوغرامين، إلا أن رحلة التعافي لم تكن قد انتهت بعد. فقد بقي بحاجة إلى الأكسجين لنحو شهر ونصف الشهر، قبل أن يتمكّن جسده تدريجياً من استعادة قدرته على التنفس بمفرده.

هكذا، بدأ بيتر خطواته الأولى في الحياة ببطء شديد، لكن بثبات، كأنه كان يختبر منذ أيامه الأولى معنى النجاة خطوةً خطوة.

ولأن بيتر وُلد قبل أوانه بكثير، كان عليه لاحقاً أن يتلقّى علاجاً بهرمون النمو. يتذكّر بيتر قساوة تلك الحقن في جسده الصغير، ويستعيد كيف كان الألم جزءاً من رحلة التعافي الطويلة. لكن نظرة بيتر إلى هذه الحقن تبدّلت مع الوقت، بعدما أخبره والده حنا أن لاعب كرة القدم المفضّل لديه، ليونيل ميسي، خضع بدوره لهذا العلاج في طفولته بسبب نقص هرمون النمو.

يروي بيتر هذه القصة مبتسماً، وكأنها منحت تجربته معنى مختلفاً، ورسّخت لديه فكرة أن ما يبدو صعباً في البداية لا يعني بالضرورة أنه مستحيل.

نغم مع رضيعها بيتر في الوحدة الخاصة للأطفال حديثي الولادة في مركز كسروان الطبي (النهار - آب 2016)

بيتر بولس مع والدته نغم خلال لقائهما النهار.

في ملف أبيض تحتفظ نغم بصور بيتر كلها، وببصمة قدميه الصغيرتين قبل خروجه من المستشفى. تقلب هذه الصور كمن يستعيد رحلة تصفها بأنها كانت "طلوعاً ونزولاً"، اختبرت فيها الفرح والحزن والخوف والإيمان معاً.

تقول "مررنا بمحطات كثيرة بكلّ تقلباتها. في بعض اللحظات شعرت بالخوف وبأنني على وشك الاستسلام، خصوصاً في مرحلة عندما لم يكن يأكل أبداً".

وتضيف أن صغر حجمه وبطء نموه جعلا مرحلة الطفولة الأولى شديدة الهشاشة، إذ كان يُنقل مراراً إلى المستشفى بعد إصابته بعدوى أو فيروس، في وقت لم يكن جسده الصغير قادراً بعد على تحمّل الكثير.

لم تكن رعاية بيتر التحدّي الوحيد أمام نغم وحنا. ففي المنزل كان هناك أيضاً بول، شقيقه الأكبر منه بعام وأربعة أشهر فقط، والذي كان بدوره يحتاج إلى حضور والدته واهتمامها.

تقرّ نغم بأن تلك المرحلة كانت من الأصعب في حياتها، إذ وجدت نفسها ممزقة بين طفل خديج يحتاج إلى رعاية دقيقة ومستمرة، وطفل آخر ينتظرها في البيت. تعترف "كنت أشعر بأنني بين شقّين؛ بيتر بحاجة إليّ طوال الوقت، وبول أيضاً يحتاجني. لذلك تركت عملي لمدة سنتين حتى أتمكّن من رعاية بيتر والاهتمام ببول من دون تقصير".

يجلس بيتر اليوم إلى جانب والدته ويستمع باهتمام إلى روايتها، بعدما صارحته في صغره بتفاصيل ولادته المبكرة وحجمه الصغير عند الولادة. يتأمل بعض صوره القديمة بدهشة واضحة، ثم يبتسم قائلاً ببراءة: "لا أصدق أنني كنت هكذا… كنت صغيراً جداً وهزيلاً جداً"، قبل أن يتوقف عند صورة أخرى ويعلّق متفاجئاً "قدماي كانتا صغيرتين جداً... متل الحسكة".

بيتر متمسكاً بالحياة يقاوم منذ اللحظة الأولى (النهار - آب 2016)

بيتر بولس مع والدته نغم خلال لقائهما النهار.

ما عاشته نغم ليس تجربة فردية معزولة، بل واقع تعيشه عشرات العائلات التي تواجه الولادة المبكرة وما يرافقها من قلق على مصير الأطفال الخدّج.

وقد انعكست هذه التجربة على نظرتها إلى عملها وتفاعلها مع الأمهات الأخريات، إذ باتت ترى في قصصهن امتداداً مباشراً لقصتها الشخصية. وتشرح "هذه التجربة جعلتني أشعر بألم الأمهات بشكل أعمق، لأنني مررت به قبل أن أمرّ بهن. أحاول أن أقدّم لهن الدعم والأمل، وأدرك تماماً أن لكلّ حمل ظروفه الخاصة. لكنني تعلّمت أيضاً أن الرعاية الجيدة، والإيمان، والمتابعة الطبية يمكن أن تغيّر النتائج بشكل كبير".

ما ترويه والدة بيتر هو الوجه الإنساني لقصة بدأت في غرفة العناية الفائقة، لكن تفاصيلها الكاملة لا تُفهم من دون العودة إلى الجانب الطبي؛ فحين يولد طفل بهذا الوزن، لا يكون الأمر مجرد ولادة مبكرة، بل حالة شديدة الحساسية تتطلب مراقبة دقيقة وتدخلاً طبياً مستمراً.