.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
لم يكن فتح أبواب السجون السورية بالنسبة إلى المعتقلين الذين خرجوا منها نهايةً لسنوات الاعتقال، بقدر ما كان بدايةً لمرحلة جديدة، أكثر تعقيداً أحياناً: كيف يعيش الإنسان بعدما أمضى سنوات خلف القضبان؟ وكيف يستعيد علاقته بأسرته التي كبرت في غيابه؟ وكيف يتعامل مع جسده الذي يحمل آثار التعذيب، وذاكرته التي لا تزال عالقة في تفاصيل السجن؟
في مركز "ميد غلوبال" في حمص، يلتقي محرَّرون من سجون النظام السابق في محاولة لاستعادة ما سُلب منهم خلال سنوات الاعتقال. جلسات للصحة النفسية، وتأهيل جسدي، ومحاولات لإعادة دمجهم في المجتمع، ومساعدة للأطفال الذين ولد بعضهم داخل المعتقل أو أمضوا سنوات من طفولتهم خلف القضبان.
لكن شهادات المحررين تكشف أن الخروج من السجن لا يعني دائماً التخلص منه. فبالنسبة إلى بعضهم، قد يتحول ضوء مصباح أصفر إلى لحظة رعب، وقد يعيد صوت صنبور المياه ذاكرة التعذيب، وقد يصبح لون ثوب معين سبباً في استحضار سنوات الاعتقال. آخرون خرجوا ليجدوا أبناءهم وقد أصبحوا شباباً، أو فقدوا أزواجهم وأشقاءهم، أو وجدوا ممتلكاتهم لا تزال قيد الحجز. أما بعضهم، فلم يكن يصدق أصلًا أنه خرج.
A post shared by Annahar Al Arabi (@annaharar)
مدين عبد الباري الجحواني، 37 عاماً، أحد المحررين من سجن صيدنايا، خرج من السجن بعد ساعات من تحريره.لكن جسده لا يزال يحمل آثار ما تعرض له.
يروي أن آثار آخر عملية خضع لها، إلى جانب آثار تكسير أضلاعه والتعذيب، لا تزال واضحة على جسده، وهو يتلقى العلاج حتى الآن. ويضيف أن ما تعرض له داخل السجن ترك إصابات لم تنتهِ بانتهاء سنوات الاعتقال.
ويقول: "مهما وصفنا تعذيب سجن صيدنايا، فلن يعبّر عن ربع ما عشناه داخل جدران السجن".
حتى لحظة دخول القوات التي حررت السجن، لم يكن المعتقلون يعرفون ما ينتظرهم. ويقول مدين إن المعتقلين اعتقدوا أنهم قد يكونون أمام تصفية جماعية، وظنوا أن ما سيحدث لهم قد يكون شبيهاً بما جرى عام 2018.
ويقول إن الأمر احتاج إلى نحو شهرين حتى يبدأ هو وغيره من المعتقلين بالتأقلم مع فكرة أنهم خرجوا بالفعل، وأنهم أصبحوا قادرين على المشي "تحت سماء رب العالمين".
ويصف تلك اللحظات قائلًا إنه كان ينظر إلى والدته وأخواته ويسأل نفسه: "هل أنا حقاً معكم، أم أن هذا حلم؟".
مدين عبد الباري الجحواني لا يزال يعاني آثار التعذيب (النهار)
لكن الحرية لم تُعد إليه كل ما فقده. فبسبب سنوات الاعتقال، لم يتمكن من متابعة تعليمه، كما أن الإصابات التي تعرض لها في السجن لا تزال تؤثر في قدرته على العمل، وهو ما يجعله اليوم بحاجة إلى فرصة عمل تتناسب مع وضعه الجسدي.
لذلك، يطالب بتأمين فرص عمل للمحررين حتى يتمكنوا من استعادة دورهم في المجتمع. ويشير إلى أن بعض الفرص المتاحة للتطوع في وزارة الدفاع أصبحت صعبة بالنسبة إليه بسبب تقدمه في السن مقارنة بالعمر المطلوب.
عاطف جحواني، معتقل سابق آخر، يصف تجربة الاعتقال بعبارة تختصر جانباً من قسوة ما عاشه: "المعتقل قاهر الرجال".
أما خالد جمال صطيف، المعتقل السابق في صيدنايا، فيرى أن كل ما قيل عن السجن في وسائل الإعلام لا يمثل سوى جزءٍ بسيط مما كان يحدث داخله.
ويقول إن ما عاشه المعتقلون داخل السجن كان أكبر بكثير مما استطاعت الصور والتقارير الإعلامية نقله إلى الخارج.
لكن معاناة خالد لم تنتهِ عند خروجه من السجن.
فالأملاك التي يقول إن النظام السابق حجز عليها خلال حقبة حكمه لا تزال، بحسب روايته، خاضعة للحجز.ويطالب الجهات المعنية بفك الحجز عن تلك الممتلكات، حتى يتمكن هو وغيره من المحررين من التصرف بها واستعادة جزء من حياتهم التي تعطلت سنوات.
على الجانب الآخر من هذه الشهادات، تقف قصص النساء اللواتي خرجن من المعتقلات محملات بسنوات من الفقد والصدمة.
خديجة عبد المعين مجرمش، التي اعتُقلت عام 2014 وحُكم عليها بالسجن 12 عاماً، تقول إن آثار الاعتقال لا تزال مستمرة حتى اليوم.
فقدت زوجها وشقيقها، وعندما خرجت من المعتقل وجدت أن بناتها قد كبرن؛ إحداهن تزوجت، والأخرى أصبحت شابة، بينما أصبح ابنها شاباً.
تقول إن السنوات التي قضتها خلف القضبان لم تتوقف آثارها عند لحظة الخروج، وإنها حتى الآن لم تتخلص من ذكريات المعتقل.
خلال وجودها في مركز المعالجة النفسية، تقول خديجة إن حالتها النفسية تحسنت، رغم أنها لم تكن مرتاحة في البداية.
كان حكمها 12 عاماً، وزوجها قُتل، وشقيقها الذي كان معتقلاً معها استشهد، ولذلك تقول إنها تخيلت نفسها وهي تحمل القضية كلها حتى النهاية.
تقول إنها عندما علمت بسقوط النظام أصبحت تمشي في الشارع وتصلي وتزغرد "مثل المجنونة"، من شدة الفرح.
وكانت فرحتها بخروج المعتقلين أكبر من أي شيء آخر. "حمدت الله أن المعتقلين خرجوا. لم يعد مهماً أن نعيش أو لا نعيش، وأن نملك بيوتاً أم لا. المهم أن المعتقلين خرجوا، لأنني أعرف مرارة السجن".
وتتحدث كذلك عن فرحتها بتحقيق العدالة بحق مسؤولين سابقين في السجون، وتقول إن فرحتها بالحكم على مدير سجن عدرا، الذي تتهمه بالاعتداء الجنسي على النساء، تفوق فرحتها بالخروج من السجن ورؤية أولادها.
تحمل خديجة معها تفاصيل صغيرة من المعتقل أصبحت بعد خروجها قادرة على استعادة الخوف وذكريات السجن، بينها المصباح الأصفر.
تقول إنها لا تتحمل رؤية المصباح الأصفر حتى الآن، وإنها بمجرد رؤيته تكاد أن تفقد السيطرة على نفسها، لأنه يذكرها بالمعتقل.
داخل السجن، تقول خديجة، كانوا يعيشون في ظلام دامس، لكن عندما يضاء ذلك المصباح الأصفر، كان ذلك يعني أن إحدى السجينات ستذهب إلى التحقيق.
وهكذا تحول الضوء، الذي يفترض أن يكون علامة على الرؤية، إلى علامة على الخوف.
وحتى صوت الماء لم يعد صوتاً عادياً بالنسبة إليها.
تقول لـ"النهار" إنه عندما يتعطل أحد صنابير المياه في منزلها، تسارع إلى إصلاحه، لأن صوت تنقيط المياه يذكرها، بحسب روايتها، بأحد أساليب التعذيب النفسي التي عاشتها في السجن.
تفاصيل صغيرة في الحياة اليومية، لكنها بالنسبة إلى ناجين من الاعتقال قد تفتح أبواب الذاكرة على مصراعيها.
جلسة علاج نفسي جماعية للنساء في مركز ميد غلوبال في حمص (مروة البرغش- النهار)
حنان سليمان، التي اعتقلها أمن الدولة بتهمة تمويل الإرهاب، تقول إن السلطات اتهمتها بتمويل مرهف الزعبي.
وتروي أن أفراد عائلتها حاولوا دفع المال لإخراجها مباشرة من سجون حمص، إلا أن القاضي رفض، وتم تحويلها إلى سجون دمشق.
وتقول إن عائلتها دفعت مبالغ طائلة، قبل أن تعاد إلى الاعتقال، لتعيش بعد ذلك سنوات من المعاناة.وكغيرها من المعتقلات، لم تكن حنان تتوقع أن تخرج.
وتقول إن شقيقها وشقيقتها وابن شقيقها وابن شقيقتها وغيرهم من أفراد عائلتها رحلوا، وإنها لم تتخيل أنها ستخرج يوماً لترى السماء والشجر والناس.