12 مليارًا  و100 مبادرة .. المملكة تكتب فصلًا جديدًا لمستقبل الأرض

في قاعة مؤتمرات تبعد عن الرياض أكثر من ستة آلاف كيلومتر، وتحديداً في العاصمة المنغولية أولان باتور، وقف الدكتور أسامة فقيها، وكيل وزارة البيئة والمياه والزراعة للبيئة، ليسلم راية مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر إلى وزيرة خارجية منغوليا باتمونخ باتسيتسيغ. مشهد بروتوكولي في ظاهره، لا يتجاوز دقائق معدودة أمام عدسات المصورين. لكن خلف تلك الدقائق تقف حكاية عامين كاملين، أعادت فيهما المملكة تعريف ملفٍ ظل لعقود «الشقيق الأصغر» المنسي بين اتفاقيات ريو الثلاث، وحولته من هامش الأجندة البيئية العالمية إلى صدارتها. هذا التقرير لا يروي خبر تسليم رئاسة، بل يفتح دفاتر الحصاد: ماذا فعلت الرياض بالضبط منذ ديسمبر 2024م؟ ولماذا اجمع مراقبون دوليون على أن الدورة السعودية كانت «نقطة تحول» في مسار اتفاقية عمرها أكثر من ثلاثين عاماً؟ وما الذي يبقى للمملكة بعد أن انتقلت الراية إلى سهوب آسيا الوسطى؟ رهان الرياض الجريء لفهم حجم ما جرى، لا بد من العودة إلى المفارقة التي أدهشت العالم قبل عامين: دولة تقع في واحدة من أكثر مناطق الأرض جفافاً، تتقدم لاستضافة أكبر مؤتمر أممي لمكافحة التصحر. البعض رأى في الأمر تناقضاً، لكن قراءة أعمق تكشف أن الأمر كان على النقيض تماماً؛ فمن يعرف الجفاف عن قرب، ويعيش معه، ويبني مدنه وزراعته ومياهه في مواجهته اليومية، هو الأقدر على فهم المعركة وقيادتها. جاء توقيت الاستضافة في لحظة عالمية حرجة. فبيانات الأمم المتحدة كانت تدق ناقوس الخطر: نحو 40 في المئة من أراضي الكوكب تدهورت بالفعل، وتأثيرات هذا التدهور تطال نصف البشرية، وتغذي أزمات متشابكة من تغير المناخ إلى فقدان التنوع البيولوجي وانهيار سبل العيش في مناطق واسعة من العالم. لم يكن التصحر ترفاً بيئياً يناقش في قاعات مكيفة، بل قنبلة موقوتة تقف خلف موجات النزوح والجوع والصراع على الموارد في أكثر من قارة. وحين انعقد المؤتمر في الرياض في ديسمبر 2024م، تحطمت الأرقام القياسية واحداً تلو الآخر: أكبر دورة في تاريخ الاتفاقية بمشاركة 197 طرفاً يمثلون 196 دولة إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، وأكثر من عشرين ألف مشارك بينهم نحو 3500 من منظمات المجتمع المدني، وما يزيد على 600 فعالية. كان أول مؤتمر من نوعه يعقد في الشرق الأوسط، وأكبر تجمع دولي تستضيفه المملكة في تاريخها حتى ذلك الحين. لكن الحجم وحده لا يصنع التحول. ما صنعه فعلاً هو فلسفة إدارة مختلفة. هندسة سعودية مبتكرة من يتابع المؤتمرات الأممية يعرف قصتها المتكررة: وفود تتفاوض خلف أبواب مغلقة، بيانات ختامية مصاغة بلغة دبلوماسية حذرة، ثم يعود الجميع إلى بلدانهم بانتظار الدورة التالية. الرئاسة السعودية قررت كسر هذه الحلقة عبر ما وصفته الأوساط الأممية بأنه "نهج مزدوج غير مسبوق": مسار تفاوضي رسمي يستهدف قرارات حاسمة وقابلة للتنفيذ، تسير بموازاته "أجندة عمل" مفتوحة تحتضن المبادرات التطوعية والابتكار والحلول العملية من خارج الحكومات. ولأول مرة في تاريخ مؤتمرات الأطراف لاتفاقية مكافحة التصحر، انشئت "منطقة خضراء" كاملة، فتحت أبواب المؤتمر أمام القطاع الخاص والمستثمرين والباحثين والمجتمع المدني، عبر سبعة أيام من المحاور المتخصصة التي قدمت الحلول وفرص الاستثمار في استعادة الأراضي. كانت الرسالة واضحة: إنقاذ الأرض ليس مهمة الحكومات وحدها، بل سوق عمل عالمي جديد ينتظر من يستثمر فيه. النتيجة كانت رقماً هز أروقة الاتفاقية: أكثر من 12 مليار دولار جرى حشدها لدعم استعادة الأراضي والصمود أمام الجفاف، وهو تمويل تجاوز كل ما جمعته الاتفاقية في دورات سابقة، جاء من منظمات دولية كبرى ومؤسسات مالية وقطاع خاص وجدت لأول مرة مقعداً حقيقياً على الطاولة. وإلى جانب المال، اعتمد المؤتمر 39 قراراً رسمياً، من بينها قرارات نوعية مثل إنشاء تجمع خاص بالشعوب الأصلية وآخر بالمجتمعات المحلية لضمان تمثيل أصواتهم، ومواصلة تطوير الواجهة العلمية-السياسية للاتفاقية لترسيخ القرار المبني على العلم. من 35 مبادرة إلى مئة غادر المشاركون العاصمة السعودية في ديسمبر 2024م، لكن "أجندة عمل الرياض" لم تغادر معهم؛ بل واصلت النمو طوال فترة الرئاسة. فالمبادرات التي انطلقت خلال المؤتمر نفسه تجاوزت 35 مبادرة، ثم تضاعف العدد خلال العامين التاليين ليصل إلى مئة مبادرة مدرجة تحت الأجندة، في مؤشر نادر على أن زخم المؤتمرات الأممية يمكن أن يستمر بعد إطفاء الأضواء، إذا وجدت رئاسة تتابع وتدفع وتحاسب. وفي قلب هذا الحصاد تقف ثلاث مبادرات تستحق التوقف عندها، لأنها تختصر الرؤية السعودية للملف: أولاها "شراكة الرياض العالمية للصمود في مواجهة الجفاف"، التي تحولت إلى أضخم تحالف دولي من نوعه، بمشاركة 64 دولة و30 منظمة دولية، وتعهدات مالية تجاوزت ملياري دولار موجهة للدول الأكثر هشاشة أمام موجات الجفاف. الفكرة هنا تتجاوز الإغاثة التقليدية التي تتحرك بعد وقوع الكارثة، إلى بناء قدرة الدول على الصمود قبل أن تضرب الكارثة. وثانيتها المبادرة الدولية للإنذار المبكر بالعواصف الغبارية والرملية، التي أطلقتها المملكة بالتعاون مع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية. وهي مبادرة تعرف المملكة قيمتها من واقع تجربتها؛ فالعواصف الغبارية ليست مجرد إزعاج موسمي، بل خسائر اقتصادية وصحية بمليارات الدولارات تعبر الحدود بلا تأشيرة، ولا يمكن لدولة واحدة مواجهتها منفردة. وثالثتها مبادرة "قطاع الأعمال من أجل الأرض" (Business4Land)، التي جسدت الفلسفة السعودية الأعمق: تحويل استعادة الأراضي المتدهورة من عبء تموله الحكومات إلى فرصة استثمارية يتنافس عليها القطاع الخاص. وهي نقلة مفاهيمية قد تكون، على المدى البعيد، أهم ما خرج به المؤتمر؛ لأن التمويل الحكومي مهما بلغ يظل محدوداً، بينما رأس المال الخاص حين يجد جدواه لا سقف له. لماذا نجحت الرياض حيث تعثر غيرها؟ الإجابة التحليلية على هذا السؤال تقود إلى ما هو أبعد من قاعات المؤتمر. فالمملكة لم تأتِ إلى ملف التصحر ضيفاً طارئاً، بل جاءت وفي جعبتها مشروعان وطنيان ضخمان سبقا الاستضافة بسنوات: "مبادرة السعودية الخضراء" و"مبادرة الشرق الأوسط الأخضر"، بأهدافهما المعلنة في زراعة مليارات الأشجار واستعادة مساحات شاسعة من الأراضي المتدهورة داخل المملكة والمنطقة. وقد أكد وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس عبد الرحمن الفضلي، منذ لحظة توقيع اتفاقية الاستضافة، أن هاتين المبادرتين تمثلان خطوات رائدة نحو بيئة مستدامة ومواجهة جادة للتحديات البيئية. بمعنى آخر: حين تحدثت الرياض أمام العالم عن استعادة الأراضي، كانت تتحدث عن شيء تفعله لا شيء تتمناه. وهذه المصداقية التنفيذية هي التي منحت الرئاسة السعودية ثقلاً تفاوضياً نادراً، وجعلت الدول تنضم إلى مبادراتها لا مجاملةً، بل اقتناعاً بأن خلف الشعارات آلة تنفيذ حقيقية تستند إلى رؤية 2030م ومنظومتها. ثمة عامل آخر لا يقل أهمية: المملكة قرأت الملف قراءة اقتصادية وأمنية، لا بيئية ضيقة. فتدهور الأراضي يعني انهيار الأمن الغذائي، والجفاف يعني نزوحاً وهجرة وصراعات، والعواصف الغبارية تعني خسائر في الصحة والطيران والطاقة. وحين يقدم الملف بهذه اللغة، تصغي وزارات المالية والدفاع والاقتصاد، لا وزارات البيئة وحدها. هذا التأطير هو الذي فتح خزائن التمويل الدولي على نحو غير مسبوق. ومن يظن أن تسليم الراية يعني طي الصفحة، تكفيه نظرة على الحضور السعودي في الدورة السابعة عشرة في أولان باتور خلال الفترة من 17 إلى 28 أغسطس. فالمملكة لم تكتفِ بمقعد الضيف، بل تشغل جناحاً وطنياً كاملاً في "المنطقة الزرقاء" يحتضن أكثر من 40 فعالية مصاحبة، إلى جانب جناح مستقل مخصص لمبادرة الشرق الأوسط الأخضر، كما ترأست الاجتماع الختامي لمكتب مؤتمر الأطراف قبل التسليم، وتعقد سلسلة اجتماعات خاصة بشراكة الرياض العالمية للصمود في مواجهة الجفاف. وفي كلمة التسليم، حرصت المملكة على تثبيت المعنى الذي تريده للحظة: انتقال الرئاسة إلى منغوليا هو "انتقال للمسؤولية وليس نهاية للجهود"، مع تعهد صريح بمواصلة دعم تنفيذ مخرجات مؤتمر الرياض والتعاون مع الرئاسة المنغولية والدول الأطراف كافة. وهي صياغة تختصر عقيدة العمل السعودي في الملفات الدولية خلال السنوات الأخيرة. ولعل اختيار منغوليا نفسها لتسلم الراية يحمل رمزية بليغة؛ فمن صحراء الجزيرة العربية إلى سهوب صحراء غوبي، تنتقل القيادة بين بلدين يعرفان معنى أن تزحف الرمال على العمران والمرعى. وكأن الاتفاقية الأممية أرادت أن تقول إن قيادة هذه المعركة يجب أن تبقى في أيدي من يخوضونها فعلاً على أرضهم. الاختبار الحقيقي يبدأ الآن بميزان الحصاد، تسلم منغوليا اليوم اتفاقية غير التي تسلمتها المملكة قبل عامين: خزينة تعهدات تجاوزت 12 مليار دولار، وأجندة عمل بمئة مبادرة حية، وتحالف جفاف يضم 64 دولة، وقطاع خاص دخل الملف من بابه الواسع، وحضور إعلامي وسياسي لم تعرفه الاتفاقية في تاريخها. لكن التحليل المنصف يقتضي القول إن الأرقام الكبيرة تحمل معها اختبارها الأصعب: التعهدات المالية يجب أن تتحول إلى مشاريع على الأرض، والمبادرات المئة تحتاج متابعة تمنعها من التحول إلى أرشيف، والمسار التفاوضي في ملف الجفاف تحديداً ما زال ينتظر حسماً دولياً أكبر. وهنا بالذات تكمن قيمة الالتزام السعودي المعلن بالبقاء في قلب الملف بعد التسليم؛ فالمملكة تدرك أن سمعة "مؤتمر الرياض" باتت مرتبطة بمصير مخرجاته، وأن أفضل حماية لإرث الدورة السادسة عشرة هي إنجاح الدورة السابعة عشرة وما بعدها. في المحصلة، يمكن اختصار العامين الماضيين في جملة واحدة: دخلت الرياض على اتفاقية أممية تعاني هامشية مزمنة، فخرجت الاتفاقية من الرياض وقد صارت واحدة من أكثر المنصات البيئية الدولية حيوية وتمويلاً وحضوراً. وحين يكتب مؤرخو العمل البيئي الدولي لاحقاً سيرة الحرب العالمية على التصحر، سيجدون أنفسهم مضطرين للتوقف طويلاً عند محطة تحمل اسم عاصمة عربية نهضت من قلب الصحراء، لتعلم العالم كيف تدار المعركة ضدها.