بلدة القصب، حيث تستوي الأرض وتسمو الجبال، وحيث يلتقي عبق التاريخ بنقاء الطبيعة، درة إقليم الوشم وعنوان أصالته. القصب ليست مجرد نقطة على الخارطة، بل هي حكاية مكان صاغته الأيام، فأنشأ أهلها حضارة من ملح وماء ونخيل. تحيط بها جبال طويق من جهة الشرق كسور طبيعي يحميها، ويقف جبل الفريدة شامخاً في شمالها كحارس أمين، بينما يبسط نفود عريق البلدان رماله الذهبية غرباً، كأن الطبيعة أرادت أن تطوقها بكل تضاريس نجد الجميلة في لوحة واحدة. وتعد القصب واحدة من أقدم بلدات الوشم وأكثرها حضوراً في الذاكرة التاريخية للمنطقة الوسطى ونجد، فهي تقع في مساحة واسعة بين جبال طويق والنفود، وتشكل بوابة شرقية لمحافظة شقراء، وتجمع بين إرث عمراني طيني عريق ومشهد طبيعي فريد يمتد من السبخات إلى العريق. ويذكر المؤرخ عبد العزيز بن عبد الله الراشد أن القادم من الرياض، ولا سيما من شمالها وشرقها ووسطها، كان يسلك طريق صلبوخ مروراً بحريملاء ثم ثادق ثم رغبة ودوارها الكبير يجمله جامع الجريسي الفسيح، حتى يدخل أراضي محافظة شقراء مبتدئاً بالقصب، البوابة الشرقية للمحافظة. نقاء الطبيعة وصفاء التاريخ ويشير إلى أن لوحة الطريق التي تحمل عبارة «وسط شقراء التاريخي 47 كم» تعد أول علامة على دخول أراضي القصب. ويصف السبخة الممتدة من نفود عريق البلدان إلى تخوم جبال طويق بأنها أول ما يواجه المسافر، وفي جهتها الغربية تقع مملحة القصب، وسميت بسببها بمدينة الذهب الأبيض، وهي ضمن جيوبارك شمال الرياض المسجل لدى اليونسكو، وتعد متنفساً للأهالي في ليالي الصيف لما يشعرون فيه من انخفاض واضح في درجات الحرارة. وقد أشار ذو الرمة إلى هذا الجو بقوله: «أصيداء هل قيظ الرمادة راجع لياليه أو أيامهن الصوالح». وفي هذه المنطقة تقع بحيرة برودان في زبارة النخل جنوب المملحة أسفل النفود شرقياً، وهي من أهم معالم الجيوبارك. وما إن يغادر المسافر السبخة حتى تعاود درجات الحرارة ارتفاعها. ويتابع الراشد وصفه للطريق، فيذكر أن المسافر يمر بعد ذلك بقصور القصب المنتشرة يميناً وشمالاً، وهي مبانٍ طينية مربعة الشكل، في كل منها برج مراقبة في الزاويتين الشمالية الغربية والجنوبية الشرقية، وكانت تستخدم قبل الحكم السعودي حين لم يكن الأمن مستتباً كما هو اليوم. ويضم كل قصر غرفاً متعددة وحوشاً للمواشي وبئراً صغيرة للاستخدام الشخصي، وبئراً كبيرة خارجية للزراعة، حيث كان المزارعون يقيمون في هذه القصور شتاءً ثم يعودون إلى داخل البلدة صيفاً حيث تنتشر النخيل شمالها وشرقها. ويذكر الراشد أنه في عهدنا الزاهر؛ ما إن يصل المسافر إلى مدينة القصب حتى تستقبله حديقة الملك سلمان على يمينه، ويقابلها جامع التيسير، أكبر جوامع القصب الخمسة، ثم تظهر المدينة الحديثة بفللها وقصورها الفارهة التي تعكس الدعم الكبير الذي تقدمه الدولة لأبنائها، ثم مبنى بلدية القصب الشامخ والمؤثر بعطاء موظفيه. وبعد مغادرة المباني الحديثة، تظهر القصب التاريخية التراثية على يمين الطريق، فيرى المسافر الجزء الجنوبي منها بمبانيها الطينية القديمة، وفي طرفها الشرقي برج مقصورة ابن منيع، وفي طرفها الغربي برج مقصورة الجعيثن، الذي قال فيه حميدان الشويعر: «ألا يا عابر القصب الجنوبي ليتني أشوفك ولو من خلف السراب لموع». وفي وسط البلدة يظهر قصر الراشد التابع لوزارة الثقافة من خلال ذراعها هيئة التراث، كما يظهر الدور العلوي من قصر الشيخ ابن زاحم، والأدوار العلوية من قصر القصبي في المنطقة المركزية من سوق العبيدي وقصر الشيخ عبد الله ابن زاحم وديوانية المنيع وهي متاحة للزوار والمهتمين ومجهزة بالضيافة، ثم نادي القصب للفن التشكيلي ومرسم ومتحف الفنان التشكيلي عبد الرحمن الزاحم الملقب بالسريالي. ويشير الراشد إلى أن الطريق ينحرف شمالاً ليُظهر الجهة الغربية من القصب القديمة، من مقصورة ابن جعيثن إلى باب الحوطة وحويط السدحانية، وفي هذه الأثناء تظهر الرقيبية على يسار الطريق، وهي البلدة التي هدمها الشريف محسن بن حسين سنة 1015هـ لتقوم بعدها القصب الحالية. وجنوب الرقيبية يقع العود المحاذي للمملحة شمالاً، أما جنوب المملحة فكانت الرمادة (رمادة أبيط) التي تعود للعهد الجاهلي، وقد ذكرها الحموي في معجمه، وقال إنها من قرى امرئ القيس، كما أشار إلى أن خالد بن الوليد رضي الله عنه مر بها متجهًا إلى اليمامة في حروب الردة في عهد الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه. ويضيف الراشد أن القصب تقع في متسع من الأرض بين جبال طويق والنفود، وقد وصفها الشعراء بقوله: «بين أبا الهيال وعريض والطعس الحمر = في مفيض العتش ديرة رفيعين المقام»، ثم قوله: «عاهد البواق ما عاد يسرق من الحضر = حطوا أولاد الهبيسي على بيته كتام». ويشرح أن أولاد الهبيسي هم بنو خالد، سكان القصب قديمًا، وأمراؤهم من السيايرة، وقد اكتسبوا هذا اللقب من مقاومتهم للأتراك بعد سقوط الدولة السعودية الأولى، إذ كان الأتراك يرسلون جنودهم لإخضاع القصب، لكن أميرها كان يرد عليهم بأنه لا ينتظرهم إلا الحبس إن عادوا، فكان الجنود يرجعون مذعورين وهم يرددون: «هبس هبس». ويختم الراشد بأن القصب دخلت في الحكم السعودي منذ تأسيس الدولة سنة 1172هـ على يد الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود في عهد والده المؤسس الإمام محمد بن سعود، وتعاقب على إمارتها خلال أربعة قرون العديد من عائلات القصب، لتبقى القصب شاهدًا على تاريخ طويل يجمع بين الجغرافيا والإنسان والدولة. وفي ختام هذا السرد، يبرز حضور حديث يعكس تفاعل الأهالي مع إرث المكان، حيث ظهرت مملحة أبو سهيل النموذجية التي خصص فيها عبد الرحمن محمد المقحم جزءًا من المملحة للزوار وطالبي الاستشفاء، فأنشأ بركة واسعة بارتفاع يصل إلى نصف الساق للخوض في مياهها المالحة، تتوسطها دكة للجلوس، مع توفير إضاءة ليلية ودورات مياه ومغاسل بمياه عذبة، إضافة إلى مسجد ومصلى للنساء، وتقديم هدايا للزوار عبارة عن أكياس من الملح الطبيعي. وما إن تغادر القصب متجهًا شمالاً ثم تنعطف غربًا إلا وترى على يمينك منتزه العكرشية على ضفاف بحيرة الحمادة، ومن جهة اليسار تشاهد مركز المشاش تحفه مزارع النخيل المشهورة (الدخيني والصقعي) على ضفاف النفود الشرقي وفيها مزارع المقحم وعشيرة الزاحم؛ ومن أبرز معالمها: متحف ومحمية طيور الوشم لصاحبها عبد الرحمن بن إبراهيم المقحم، الذي جمع بين العرض التراثي والحفاظ على الطيور المحلية، ليضيف بعدًا ثقافيًا جديدًا للمشهد التراثي والسياحي في محافظة شقراء ومراكزها. وتولي أمانة منطقة الرياض اهتماماً خاصاً بالقصب ضمن استراتيجيتها لتطوير المراكز والبلدات وتحقيق مستهدفات رؤية 2030 في رفع جودة الحياة وتنمية السياحة المحلية. وتعمل الأمانة من خلال ذراعها التنفيذي " بلدية القصب" على تنفيذ حزمة متكاملة من المشاريع الخدمية والتنموية والثقافية. ويأتي موسم ملح القصب كأبرز جهود الأمانة في القصب، ويهدف الموسم إلى تعزيز إنتاج ملح القصب الملقب بـ "الذهب الأبيض" بوصفه أحد أشهر المنتجات المحلية والثروات الطبيعية التي تتمتع بها البلدة نتيجة الظروف المناخية والجيولوجية. و تنفذ الأمانة بشكل دوري أعمالاً مستدامة لتعزيز جودة الحياة، تشمل صيانة أعمدة الإنارة، وإصلاح حفر الشوارع، وصيانة الأرصفة ، وإزالة النفايات وتقليم الأشجار. و قامت بلدية القصب بتكثيف أعمال النظافة داخل الأحياء والشوارع الرئيسية، وتجهيز الحدائق وتنظيف الأراضي، وتجهيز ساحات الاحتفالات وتزيين الشوارع بالإنارة والأعلام. كما نفذت مشاريع تطويرية في القرية التراثية. باختصار، تمثل جهود أمانة منطقة الرياض في القصب نموذجاً للتكامل بين الخدمات البلدية اليومية، والتنمية السياحية، والحفاظ على التراث، ودعم الأسر المنتجة، مما حول القصب من بلدة تشتهر بإنتاج الملح منذ قرون إلى وجهة سياحية وثقافية واعدة على خريطة منطقة الرياض. من يزور القصب اليوم، يرى مدينة تجمع بين متناقضين جميلين، حركة دائبة في ممالحها ومصانعها الحديثة التي تكرر الملح وتنقيه وفق أحدث التقنيات، وهدوء ساحر في مزارعها وروضاتها. يرى بياض الملح الذي يرمز للنقاء، وخضرة النخيل التي ترمز للحياة، ويرى أهلها بوجوههم الطيبة وكرمهم الأصيل الذي لم تغيره الأيام. إنها القصب، حكاية ملح لا يذوب، ونخلة لا تميل، وقصيدة لا تنتهي. محمد الحسيني