يعمل… لكنه لا يملك شيئًا

في لبنان اليوم، لم يعد السؤال الأصعب هو: "هل لديك عمل؟"، بل: "وماذا بقي لك بعد أن تعمل؟". فأن يكون للإنسان راتب في نهاية كل شهر لم يعد يعني بالضرورة أنه قادر على الاستقلال، أو الادخار، أو شراء منزل، أو تأسيس عائلة، أو حتى الاحتفاظ بمبلغ صغير لمواجهة طارئ مفاجئ. هناك جيل يعمل، يركض بين وظيفة وأخرى، يقبل بساعات إضافية ويؤجل رغباته الأساسية، ثم يصل إلى نهاية الشهر ليكتشف أن كل ما كسبه قد تبخر بين الإيجار والطعام والنقل والفواتير والطبابة، وأن "الاستقرار" الذي يفترض أن يمنحه العمل أصبح هدفاً مؤجلاً إلى أجل غير مسمى.هذه ليست حكاية العاطلين عن العمل فقط، بل حكاية أولئك الذين يعملون فعلاً. وتُظهر أحدث البيانات المتاحة في قاعدة بيانات البنك الدولي، والمبنية على تقديرات منظمة العمل الدولية، أن العاملين بأجر وراتب يشكلون الجزء الأكبر من إجمالي العمالة في لبنان. لكن المشكلة تكمن في أن امتلاك وظيفة لا يعني بالضرورة امتلاك قدرة شرائية كافية لبناء حياة مستقرة. فحتى مع التحسن النسبي في بعض المؤشرات الاقتصادية، لا تزال آثار الانهيار المالي والنقدي تضغط بقوة على قدرة الأسر اللبنانية على تلبية احتياجاتها الأساسية، فيما تشير بيانات البنك الدولي إلى استمرار معدلات تضخم مرتفعة وتراجع كبير في القدرة الاقتصادية منذ بدء الأزمة.وهنا تظهر المفارقة اللبنانية الأكثر قسوة: قد تكون موظفاً، لكنك تظل هشاً مالياً. قد تحصل على راتب منتظم، لكن أي عطل في السيارة، أو فاتورة طبية غير متوقعة، أو شهر من دون دخل إضافي، يمكن أن يقلب ميزان حياتك. الادخار يصبح ترفاً، وشراء منزل حلماً بعيداً، وتأسيس عائلة مشروعاً يحتاج إلى حسابات تتجاوز القدرة الفردية. حتى الإجازة قد تتحول إلى كلفة يصعب تحملها، فيما تتقلص مساحة الحياة نفسها لصالح محاولة تغطية الأساسيات.والأخطر أن هذه الحالة لا تصيب الفئات الأشد فقراً فقط. إنها تضغط أيضاً على من كان يُفترض أن يشكل الطبقة الوسطى: الموظف الشاب، الأستاذ، الصحافي، المهندس، العامل في شركة خاصة، أو صاحب المهنة الحرة. فالإنسان قد يرتقي مهنياً، ويحصل على خبرة أكبر، وربما على راتب أفضل، لكنه لا يشعر بالضرورة أنه يتقدم في حياته. يعمل أكثر، لكنه لا يملك أكثر. يكسب أكثر، لكنه يستطيع شراء أقل. ويخطط للمستقبل، فيما الحاضر نفسه يستهلك كل ما لديه.وليس غريباً أن تتحول عبارة "سأبدأ حياتي" إلى مشروع مؤجل لدى كثيرين. فالاستقلال عن منزل العائلة يحتاج إلى إيجار، والإيجار يحتاج إلى دخل ثابت، والدخل الثابت لا يضمن وحده القدرة على مواجهة باقي النفقات. ومن هنا، يصبح البقاء في منزل الأهل أحياناً قراراً اقتصادياً لا خياراً اجتماعياً، ويتحول الزواج إلى حساب مالي، وشراء المنزل إلى حلم مؤجل، والادخار إلى مبلغ صغير لا يصمد أمام أول أزمة.وفي بلد شهد انهياراً اقتصادياً ومالياً بدأ في العام 2019، لم تعد الأزمة تقاس فقط بعدد العاطلين أو الأسر التي تعيش تحت خط الفقر. الأزمة الأعمق هي أن العمل نفسه لم يعد ضمانة كافية للخروج من الهشاشة. وقد أشار البنك الدولي خلال هذا العام إلى استمرار تعافي الاقتصاد اللبناني بصورة حذرة، مع بقاء آثار الأزمة المتراكمة منذ العام 2019 ثقيلة؛ إذ لا يزال الناتج المحلي الحقيقي أقل بنحو 40 في المئة تراكمياً مقارنة بما كان عليه قبل الأزمة، فيما تؤكد المؤسسة أن الأزمة المالية والاقتصادية لا تزال تعرقل تدفق الاستثمارات وتضغط على فرص التعافي المستدام. وهكذا ينشأ في لبنان تناقض جديد: جيل يُطلب منه أن يعمل، ويتعلم، ويطوّر نفسه، ويخطط لمستقبله، لكنه في الوقت نفسه يعيش في اقتصاد يجعل أبسط مقومات الاستقرار مكلفة إلى حد بعيد. جيل لا يريد رفاهية استثنائية؛ يريد فقط أن يشعر أن سنوات العمل ستترك له شيئاً: منزلاً، حساباً مصرفياً، مشروعاً، عائلة، أو حتى شعوراً بسيطاً بالأمان.فماذا يعني أن يعمل الإنسان طوال حياته، ثم يكتشف في النهاية أن كل ما استطاع امتلاكه هو القدرة على دفع فواتيره والبقاء حتى نهاية الشهر؟ وهل ما زال العمل في لبنان طريقاً إلى بناء حياة، أم أصبح مجرد وسيلة أخرى للبقاء؟