ياسر مدخلي يؤطر تجاربه في الإدارة الثقافية.. وتجربته في ديوانية القلم الذهبي لمعالي المستشار تركي آل الشيخ في نادي النوى – د.أمل بنت محمد التميمي

«كيف» اسم مبني على الفتح، يُستخدم أساساً كأداة استفهام للسؤال عن الحال أو الهيئة (مثل: كيف حالك؟)، أو الطريقة (مثل: كيف تعمل هذه الآلة؟) سؤالٌ بدا في ظاهره بسيطًا، لكنه كان المفتاح الذي فتح مساءً ثقافيًا مختلفًا في العاصمة الرياض. (كيف؟) كانت «الشرارة» التي أوقدها الكاتب والباحث المسرحي الأستاذ ياسر مدخلي، ليعلن من خلالها في ليلة الثامن عشر من أبريل 2026م ضمن فعالية نظمها نادي النَّوَى ضمن برنامج الشريك الأدبي في نسخته الخامسة، تحت عنوان: إدارة المنظمة الثقافية بين الحوكمة والأثر بوصفه ضيفا متحدثا في عدة محاور، وهي: المحور الأول عن الحوكمة، وكيف يمكن للمنظمات الثقافية الناشئة الموازنة بين حرية الإبداع وصرامة الحوكمة، والمحور الثاني عن التدويل، وما هي العوامل التي تجعل النص السعودي يخترق الحدود الجغرافية؟ والمحور الثالث عن الأثر، وما هي المعايير العلمية في قياس أثر المنظمة الثقافية؟ والمحور الرابع في التجربة الشخصية، وكيف ساهمت منهجية منهج (كيف) في خلق نموذج مختلف فلإدارة الثقافية؟ وتجربته في ديوانية القلم الذهبي مع معالي المستشار تركي آل الشيخ، وكيف يمكن للمنظمة الثقافية أن تكون بيئة حاضنة تسد احتياج المثقف للمنبر النوعي، وتلبي شغف الجمهور للمعرفة الرصينة؟

تتمحور المقالة حول فلسفة (كيف) التي نقلها الأستاذ ياسر مدخلي من خشبة المسرح إلى مكاتب الإدارة؛ حيث أثبت أن الإبداع لا ينمو في الفوضى، بل يحتاج إلى حوكمة ذكية توازن بين حرية الفنان وصرامة الأنظمة. ومن خلال تجاربه في (مسرح كيف) و(ديوانية القلم الذهبي)، استعرض كيف نجح المخرج المبدع في إدارة المنظمة الثقافية في ظل التحولات الثقافية، وكيف استطاع صناعة الأثر الثقافي وتحويل المبادرات الثقافية من أنشطة وقتية إلى مشاريع وطنية مستدامة، قادرة على التدويل والعبور بالأدب السعودي نحو العالمية (مثل وصول نصوصه لهولندا وفرنسا). وسوف نبرز من خلال هذه المقالة كيف تحولت تجربة الأستاذ ياسر مدخلي في نادي النَّوى إلى بيت خبرة وكيف نجح في احتواء هذه المعادلة الصعبة، محولاً الأمسية من مجرد أمسية ثقافية إلى وثيقة عمل ترسم خارطة الطريق لمستقبل الإدارة الثقافية وفق رؤية 2030.

إن الانتقال من فلسفة (كيف) إلى واقع التطبيق الإداري يتجلى بوضوح في السيرة المهنية للأستاذ ياسر مدخلي، والتي صاغها ببراعة استثنائية تواكب متطلبات التحول الثقافي المعاصر؛ فهي لم تقف عند حدود السرد التقليدي، بل تحولت إلى (وثيقة أثر) مبرهنة بلغة الأرقام التي لا تخطئ. فخلف كل رقم في مسيرته تكمن منهجية صارمة؛ حيث ألف 55 مسرحية، ونفذت له 22 فرقة من السعودية، وأنتج 62 نصاً مسرحياً ومسلسلاً وفلماً، نُفذ منها 25 عملاً على خشبات المسرح محلياً ودولياً، وهو ما يعكس قدرة المبدع على تحويل النص من حيز الخيال إلى واقع التنفيذ الممنهج. ولم يقتصر حضوره على النتاج الفني، بل امتد ليكون فاعلاً في 30 مؤتمراً ومهرجاناً محلياً وعالمياً، وموثقاً لتجربته بـ16 ورقة وبحثاً نقدياً وعلمياً. هذا التراكم النوعي الذي تُوّج بـ10 جوائز في مجالات المسرح والبحث، وحصوله على 62 درعاً وشهادة شكر من جهات محلية وخارجية، يجعل من سيرته نموذجاً للمثقف الذي أدرك مبكراً أن (تعزيز الحضور) في ظل رؤية 2030 يتطلب صناعة هوية مهنية تجمع بين غزارة الإبداع وصرامة الأداء المؤسسي. ومن هذا المنطلق الرقمي الصلب، سنعيد النظر في كتابة السيرة المهنية التي تتطلب احترافية منهجية ولغة أرقام توجز الأثر، وسنبحر في محاور المقالة لنفكك كيف تحولت هذه الأرقام إلى إستراتيجيات عمل في الحوكمة والتدويل وصناعة الأثر.

في البناء البصري لسيرة ياسر مدخلي المهنية تحتاج إلى تأمل وتصبح الأرقام برهاناً للمنهج في بناء السيرة المكونة من صفحتين، بالإضافة إلى الهندسة البصرية لتراكم الخبرات في الوظائف التي توجز بصورة وعدد محدود من الكلمات لتخبر القارئ أنه عمل معلما ومؤسسا لمبادرات وسكرتيرا وكاتبا ومديرا، وهنا تتجلى براعة الأستاذ ياسر مدخلي في تقديم سيرته المهنية بوصفها بناءً بصرياً تراكمياً يتجاوز السرد التقليدي؛ فهو لا يعرض وظائف، بل يبني (هيكل ثقة) يعتمد على المنهجية البصرية الممنهجة. هذا التميز يظهر في تحويل سنوات العمل منذ عام 2004م في مجالات رقابية وإدارية وإعلامية إلى (خارطة طريق) واضحة المعالم. إن استخدام الصور المصغرة، والجداول الرقمية والبيانات الإحصائية في سيرته مثل الإشارة في رصد بصري لـ (تراكم الخبرة) الذي يمنح القارئ انطباعاً فورياً بالاحترافية قبل الدخول في التفاصيل. هذا البناء البصري الممنهج يعكس جوهر شخصية (المخرج الإداري والفنان) الذي يعرف كيف يؤطر المشهد الثقافي ويصنع له مرجعية رقمية صلبة تعزز الحضور وتجذب الشراكات الإستراتيجية في ظل التحول الوطني الكبير.

إن (كيف الطريق؟) لم تعد أداة استفهام فحسب، بل أصبحت في تجربة ياسر مدخلي «أداة بناء»؛ فمن خلال الحوكمة (كيف نضبط؟)، والتدويل (كيف نصل؟)، وقياس الأثر (كيف نبقى؟)، استطاع أن يقدم سيرة مهنية هي في الحقيقة (نموذج عمل) للمثقف السعودي الجديد.

وبناء على النظرة الفلسفية الخاصة لياسر مدخلي لم تكن (كيف) بالنسبة لمدخلي مجرد تساؤل لغوي، بل كانت الشرارة التي أوقدت مشروعاً فلسفياً وعملياً متكاملاً. وحين نبحث عن تجليات هذه الفلسفة، نجدها شاخصة في بناء سيرته المهنية، كيف يتحول الشغف إلى أثر ملموس. ففي رحلة العمل في (الإدارة الثقافية) وفق منهجية وتخطيط. هذا السؤال هو ذاته الذي قاده قبل سنوات لتأسيس مشروعه الفلسفي والعملي (مسرح كيف)، حين اهتدى إلى أن الإبداع لا يكتمل بالشغف وحده، بل بالمنهجية التي تضبط حركته بين الشغف والأثر. وفي رحاب نادي النَّوى، وفي جلسة حوارية تحت عنوان (إدارة المنظمة الثقافية بين الحوكمة والأثر)، تحول هذا السؤال من فلسفة مسرحية إلى (بوصلة إدارية)، تفتح آفاقاً جديدة لكيفية استثمار الوعي في صناعة مشاريع ثقافية مستدامة تحاكي لغة المستقبل.

بناءً على مسيرة الأستاذ ياسر مدخلي ومنهجيته الراسخة في (مسرح كيف)، وهو جمعية تعاونية ناشطة في قطاع المسرح أسسها منذ 2006م وعملها لا ينحصر على العروض المسرحية فقط، لكن القيام بالعديد من المنجزات التي هي محل تقدير وطني على المستوى المحلي والدولي منها دورات وورش عمل وملتقيات كمبادرات يحاول من خلالها خدمة المجتمع وبناء نشاط مسرحي مؤثر وخلق أرضية صلبة لتفعيل وتشجيع الإبداع المسرحي. استُخدمت (كيف) في تجربته كأداة تحول جذري من (الشغف) إلى (المنهجية)، وتتجلى استخداماتها في المقالة من خلال النقاط التالية:

تأسيس الهوية المنهجية: استُخدمت «كيف» كاسم لمشروعه (مسرح كيف) لتأكيد أن الأهم من (ماذا نقدم؟) هو (كيف نقدمه؟)، وهي المنهجية التي وثقها في كتابه الذي يحمل ذات الاسم ليكون مرجعاً في ضبط التجربة المسرحية.

الانتقال من النظرية إلى التطبيق: تُستخدم (كيف) في سياق الإدارة الثقافية للإجابة على التساؤلات الإستراتيجية حول آليات التحول من العمل التطوعي الفردي إلى العمل المؤسسي الممنهج والمستدام.