إنَّ المعيار المجتمعي لقياس أي سلوك إنساني ،عرفاً مضى وسار بنا منذ زمن الأوائل ونحن لسنا بصدد التصحيح أو الرفض فلكل زمن قانون سلوكي يحكمه ،وتماسك أو تزعزع إتصالي بين أفراده ومن ثَّمَ ترتكز عليه دعائم التواصل ،في الماضي كانوا الجيران وأعضاء الحي الواحد يشكلون شبكة صغيرة كما الأسرة الواحدة الكبيرة تؤطرهم منظومة فكرية قويمة بُنِيَتْ على ركيزة الدين والحشمة الاجتماعية ومراعاة الآخر وفيضاً من «الحياء» وكثيرا ً من «السمت»والسمو الخلقي ،بلا تعليم مكثف أو شهادات عليا نسجوا كبار السن شرائع اجتماعية وقواعد سلوكية مهيبة ينمو عليها الأجيال وهم من نصفهم ب(جيل الطيبين» ومن سبقهم فقد صنعوا توليفة راقية من هذه الأخلاق لتُكوَّن سير عظمى من الشيم والسجايا في حسن الجوار وإكرام الضيف بلا «رياء» والإيثار المدجج بالنخوة وحفظ حق الزوجية لكلا الطرفين ونجدة المحتاج وصلة الرحم والاقتصاد في الحديث عن النفس فكان الفعل هو ما يبرمج صورة كاملة عن قيمة الشخص وتبجيل ثقافة «العيب»كحد مرعب قبل الإقدام على تصرف ما ، مما أسهم في رصانة روافد التواصل بينهم وأصبحت كضابط اجتماعي للسلوك آنذاك فكانت التصرفات الفردية تراعي جداً هذه الضوابط ،ومع مرور الأيام وتقادم عهدها بدأت تتضاءل هذه الشرائح وتختفي تلك القوانين ومسوغات ذلك عدة مثل الموجات الاجتماعية والتجسيد الحضاري الحديث والمتجدد وهذه سنة اجتماعية قديمة العهد ،والإنسان بطبيعته يقاوم قليلاً ويتكيف كثيراً ولكن ما يلاحظ في مجتمعنا اليوم أن عبارة «وش يقولون عنَّا الناس « نزحت قليلاً من عباءة الأخلاق إلى الماديات فأصبح التباهي عنوان المرحلة الزمنية التي نعيشها سواء كان الإنسان مقتدر أو إن شاء أن يقترض ،لأن شبح الانتقاد «المادي» الاجتماعي هاجس يهاجم المجتمعات الحضارية ويضعه في أخدود الفقر والفاقة في ظل مضمار التنافس الاقتصادي الباذخ وبطبيعتنا البشرية نرفض الانتقاص في ظل السعي إلى رسم الصورة المثالية الكاملة لنا ،والحقيقة المُرة أن الرضا «وهمي» يتضاعف شعوره لإطراء الآخرين بما نملك وما نمتلك وما نقدمه لهم في محافل اجتماعية مختلفة وهذا بدوره درب طويل المدى ،لأن الأصل رضا النفس الحقيقي بما تملك من «أدب الحياة» مما يمكنك من خلافة الأرض التي هي الهدف الرئيسي لوجودنا ،فليس الخطأ في امتلاك النعم وإظهارها إنما الخلل حينما تصبح النعمة وسيلة لإثبات مكانة اجتماعية ،وفي نهاية المطاف يطرق نافذة فكري سؤال ما : هل نستطيع استعادة قيمة المعيار الأخلاقي الاجتماعي كما السابق ! أم يظل هاجسنا بما سيُقال عما في منازلنا ومظاهرنا وأولي النهى يدركون تماماً أن القيمة المادية تفنى وتندثر بينما الأثر الأبدي يسقى بسلسبيل الذكر الحسن الذي يبقى كقصيدة رثاء له حتى بعد الرحيل . ابتسام فهد الحيان