مـرســــام الفـيـــصـل

في إحدى القمم العربية، التقطت عدسات المصورين الأمير سعود الفيصل -رحمه الله- وهو يمسك بمرسام رصاص بسيط لا تكاد قيمته المادية تُذكر. قد يبدو هذا المشهد عابرًا، غير أن تأمله يستوقف النظر عند مفارقة لافتة؛ كيف لأمير نبيل أن يمسك بأداة بسيطة لا تكاد تستوقف العين، وفي المقابل تُؤثر ملاحظاته وتدويناته في قضايا دول ومصائر أمم، وحل أزمات واغلة الإشكال؟ ما الذي يمنح الأداة قيمتها؛ مادتها وفخامتها؟ أم اليد التي تمسكها والعقل الذي يوجهها؟ ولعل المتنبي قد أجاب على هذا التساؤل في بيتٍ بليغ: وما تنفعُ الخيلُ الكرامُ ولا القَنا إذا لم يكن فوقَ الكرامِ كرامُ حيث يستجلي المتنبي هنا معنىً فلسفيًا مركزه تأثير الإنسان وصبغه القيمة للوسائل والأدوات، فهو يقول إن ما يكتنزه الإنسان ويمتلكه، مهما كان ذا قيمة، تظل فاعليته رهينةً بالإنسان الذي يحسن توجيهه؛ فالجوهر الحقيقي يكمن في طوية الإنسان، أو اتقاد ذهنه، أو سعة إدراكه، والتي بمجموعها تشكل كيفية الاستعمال والتوظيف. وصوّر ذلك بأن الخيل قد تكون أصيلة وكريمة، والرماح متقنة الصنع، وكل الظروف مواتية، لكن حسم المواجهة في موقف كرٍّ وفرٍّ يحتاج إلى ذلك المحرّك الحقيقي خلف الأدوات؛ كرامة الإنسان وشجاعته وقدرته على تصريف الرماح وتوجيه الخيول. حيث نقل أبو الطيب مركز التأثير بشكل جلي من الأداة إلى الإنسان. وتلك الإلتقاطة تفتح لنا باب القياس على معانٍ أخرى، تتمثل في أن الإنسان هو من يكسب الأشياء من حوله معانيها وقيمها وليس العكس؛ لذا فإن الجامعة العظيمة لا تضمن خروج عالم عظيم من أروقتها، ووفرة المال لا تكفي لإرساء طباع الكرم. والأهم من ذلك كله أن التكنولوجيا والتقدم التقني قد يبلغان مستويات هائلة، دون أن يفضيا بالضرورة إلى مجتمعات متقدمة أو ينتجا حضارة وأخلاقيات مستديمة. فمهما بلغت قيمة ما يمتلكه الإنسان من وسائل وممكنات، تظل النتيجة رهينةً بالإنسان ذاته، وبما يضيفه إليها من عقله وشخصيته وإدراكه. يمتد هذا الطرح إلى طيات علم الاجتماع ففي علم الاجتماع يلفت زيغمونت باومان إلى مفارقة الحداثة، حيث يمكن للعقلانية والتنظيم والتقدم التقني أن تبلغ غايات هائلة في مجتمعات العصر الحديث، ثم يطرئ انفصال الوسائل عن غايات وقيم من قبيل النفع والإحسان والإعمار. وتصبح الأدوات معاول هدم وإضرار أو تهديد بفناء البشرية، بحيث لا يعود السؤال الأخلاقي محل اعتبار. ولعلنا نستطيع أن نلحظ ذلك في استخدامات المفاعلات النووية إما لأغراض التسلح والدفاع، أو في محتويات التواصل الاجتماعي التي يكثرغثها وينكمش فيها السمين! وتأخذ المسألة بعدًا آخر عند «حنّة آرنت»؛ ففي «الشرط الإنساني» تميز بين «الصنع» و»الفعل»، فالصنع يعبّرعن قدرة الإنسان على تشكيل العالم بالأدوات «وعالم اليوم غارق في صنع واستهلاك الأدوات»، بينما يكشف الفعل عن حضور الإنسان ومبادرته وأثره، لذا يتبين الفرق ما بين امتلاك القدرة وتصنيع الوسائل وتطويع التقنية، وبين تحويلها إلى أثر إنساني يحول الجمود إلى معنى نافع ونتيجة مثمرة أو الى عكس ما هو ذلك كله. عاصم عبد الفتاح