حين يمضي المسافر في أرضٍ وعرة، لا يلفت نظره الرمل وحده، ولا امتداد الطريق، وإنما تلك الحجارة الكبيرة التي تستقر في مساره، كأنها جزءٌ من امتحان الطريق. ذلك هو الجَنْدَل؛ الحجر العظيم الصلب، وما عَظُم من الحجارة، وجمعه جنادل. عرف العربي الجندل في بيئته، فدخلت الكلمة في وصف الأرض والمسالك والمواضع الوعرة، ووجدت طريقها إلى الشعر والتراث، حيث كان الحجر صورةً حاضرة من صور المكان ومشقّة الارتحال. واللافت في الجندل أنه لا يأتيك فجأة؛ إنه ثابتٌ في موضعه، وأنت الذي تصل إليه. لا يطارد خطوتك، ولا يغيّر موقعه كي يحول بينك وبين وجهتك. ومع ذلك، يكفي أن يكون في الطريق حتى يجبرك على التوقف لحظة، والتفكير في كيفية العبور. وربما هنا يبدأ المعنى الذي يتجاوز الحجر. في حياتنا جنادل كثيرة؛ أشياء لم نضعها في الطريق، ولم نختر أن نلتقيها، وجدناها أمامنا ونحن نمضي إلى ما نريد. موقفٌ أربكنا، فرصةٌ تأخرت، بابٌ أُغلق، أو طريقٌ ظنناه قريبًا فإذا به يحتاج إلى مسافة أطول. وفي مواجهة الجندل، لا تكون القوة دائمًا في إزاحته. أحيانًا تكون في معرفة الطريق حوله. وأحيانًا في الصعود فوقه، وأحيانًا في تغيير المسار كله دون أن نتخلى عن الوجهة. وهذه إحدى حكم الحياة: ليس كل عائقٍ خُلِق ليُزال؛ بعض العوائق خُلقت لتعيد تشكيل خطوتنا. قد يمر الإنسان بمرحلة يظن فيها أن ما حدث له عطّل حياته، ثم يكتشف بعد سنوات أن ذلك التعطيل قاده إلى مكانٍ لم يكن ليبلغه بالطريق الأول. وقد نغضب من حجرٍ أبطأنا، ثم نكتشف أنه جعلنا أكثر انتباهًا إلى الطريق. الجندل لا يتحرك، لكن وجوده يحرّك فينا أشياء كثيرة: الصبر، والتأمل، وإعادة الحساب، والقدرة على اختيار المسار. ولعل أجمل ما في صورته أن صلابته ليست دعوةً إلى القسوة؛ فالحجر ثابتٌ في مكانه، والطريق يستمر من حوله. وهكذا يمكن للإنسان أن يثبت دون أن يقسو، وأن يحافظ على وجهته دون أن يصرّ على الطريق ذاته. فإذا صادفنا في أيامنا جندلًا، ربما يجدر بنا أن نتوقف قليلًا قبل أن نصُبّ جام غضبنا الطريق. قد يكون الحجر الذي أوقف خطوتنا، هو نفسه الذي علّمنا كيف نمضي. وقد يكون الجندل الذي ظننّاه نهاية المسار، مجرد دعوةٍ إلى أن نرى طريقًا آخر. د. نجوى الكحلوت