وزير التعليم وهوية الجامعات.. ماذا تستحق جامعة الطائف؟ – د. بندر خلف الحارثي

حديث وزير التعليم عن «هوية الجامعات» في المؤتمر الصحفي الحكومي اليوم ليس حديثًا عن تغيير مسميات أو إعادة توزيع للتخصصات، بل يمكن النظر إليه باعتباره انتقالًا مهمًا في فلسفة التعليم الجامعي في المملكة: من جامعة تقدم كل شيء للجميع، إلى جامعة تعرف ماذا تريد أن تكون، وأين يمكن أن تكون مختلفة، وما القيمة التي تضيفها إلى اقتصاد منطقتها والمملكة ككل.

فالجامعات لم تعد مؤسسات أكاديمية منفصلة عن محيطها الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي؛ بل أصبحت جزءًا من منظومة التنمية، ومراكز لإنتاج المعرفة والابتكار، ومحركات لتطوير القطاعات التي تتميز بها مناطقها.

ومن هنا تبدو فكرة «هوية الجامعات» واحدة من أكثر الأفكار أهمية في المرحلة المقبلة؛ لأنها تعيد طرح سؤال جوهري: إذا كانت لكل منطقة ميزتها التنافسية، فلماذا لا تكون لكل جامعة هوية تستمد قوتها من هذه الميزة؟

وقد كشف وزير التعليم عن توجه الوزارة نحو تعزيز الهوية التخصصية للجامعات بما يتناسب مع احتياجات الطلاب وسوق العمل، مستعرضًا نماذج من بينها جامعة الملك فيصل في الأمن الغذائي والاستدامة، وجامعة جدة في النقل وسلاسل الإمداد، وجامعة أم القرى في الحج والعمرة وإدارة الحشود. وهنا تحديدًا تبرز جامعة الطائف بوصفها حالة تستحق التوقف.

لو أردنا البحث عن هوية تنافسية لجامعة الطائف، فلن نحتاج إلى اختراعها من خارج المنطقة؛ فالطائف نفسها تمتلك مجموعة من المقومات التي يمكن أن تتحول إلى أجندة أكاديمية وبحثية واقتصادية متكاملة.

الطائف مدينة زراعية وسياحية وتاريخية، وتتميز بموقع جغرافي مهم، وببيئة مناخية مختلفة، وبإرث ثقافي عريق، وبموارد طبيعية وزراعية وسياحية يمكن أن تتحول إلى قطاعات اقتصادية حقيقية.

والأهم أن بعض هذه المقومات ليست مجرد شعارات سياحية، بل قطاعات لها سلاسل قيمة وفرص استثمار وبحث وابتكار.

تقول وزارة البيئة والمياه والزراعة: إن محافظة الطائف تحتضن أكثر من 910 مزارع للورد، على مساحة تتجاوز 193 هكتارًا، بإنتاج يتجاوز 960 مليون وردة سنويًا، وهذه الأرقام تجعل الورد الطائفي ليس مجرد رمز ثقافي أو منتجا موسميا، بل قاعدة يمكن أن تنشأ حولها منظومة اقتصادية تشمل الزراعة والتقنية الحيوية والتصنيع والعطور والتسويق والسياحة والتصدير.

واللافت أن جامعة الطائف نفسها لديها حضور معرفي واضح في موضوع الورد، كما أن الجامعة توثق ضمن منصاتها الرقمية عناصر من هوية المنطقة، ومنها الورد والطبيعة والسياحة والثقافة.

لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه الآن أكبر من مجرد إقامة فعالية عن الورد:

هل يمكن أن تصبح جامعة الطائف مرجعًا وطنيًا ودوليًا في اقتصاديات الورد والنباتات العطرية؟

يمكن لجامعة الطائف أن تبني حول الورد منظومة متخصصة لا تقتصر على كلية أو قسم واحد.

تخصصات الزراعة يمكن أن تعمل على تطوير الأصناف ورفع الإنتاجية والاستدامة المائية.

والعلوم يمكن أن تتوسع في الأبحاث المتعلقة بالمركبات العطرية والاستخلاص والتقنيات الحيوية.

والهندسة يمكن أن تطور تقنيات الري والزراعة الذكية والأتمتة.

وإدارة الأعمال يمكن أن تبحث في بناء العلامة التجارية للورد الطائفي، وسلاسل الإمداد، والتسويق الدولي، والتجارة الإلكترونية.

والسياحة يمكن أن تطور مفهوم السياحة الزراعية وتجارب المزارع.

والإعلام والاتصال يمكن أن يحولا الورد من منتج محلي إلى قصة عالمية.

وبذلك يصبح الورد نموذجًا لما يمكن أن نسميه «اقتصاد الطائف المعرفي».

وهذه ليست فكرة نظرية بعيدة عن الواقع؛ فقد استضافت جامعة الطائف في 2026 الملتقى العالمي للورد والنباتات العطرية، الذي تضمن جلسات حول التقنيات الحديثة، وتحسين الأصناف، والإكثار، والاقتصاد الإبداعي، والتجارة الدولية، وسلاسل الإمداد.

أي أن بعض اللبنات موجودة بالفعل، وما تحتاجه المرحلة المقبلة هو تحويل هذه الجهود المتفرقة إلى هوية مؤسسية واضحة.

السياحة.. هوية أخرى يمكن أن تميز جامعة الطائف

وإذا كان الورد أحد الأبواب، فإن السياحة باب أكبر. فالطائف ليست مدينة سياحية تقليدية فقط؛ بل تمتلك مزيجًا نادرًا من الطبيعة والمناخ والتاريخ والزراعة والتراث والمواقع الأثرية.

ومن هنا يمكن أن تكون جامعة الطائف مركزًا معرفيًا متخصصًا في اقتصاديات السياحة الجبلية والزراعية والتراثية.

فبدل أن يكون دور الجامعة تخريج طالب في إدارة السياحة فحسب، يمكن أن تنتقل إلى إنتاج المعرفة المتعلقة بكيفية تحويل المقومات الطبيعية والثقافية إلى منتجات سياحية مستدامة.

كيف يمكن للورد أن يصبح منتجًا سياحيًا على مدار العام وليس في موسم محدود؟

كيف يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين تجربة السائح؟

كيف يمكن قياس الأثر الاقتصادي للفعاليات؟

كيف يمكن بناء علامات تجارية سياحية للطائف؟

هذه كلها أسئلة جامعية بامتياز، لكنها في الوقت نفسه أسئلة اقتصادية وتنموية.

هوية جامعة الطائف لا ينبغي أن تختزل في مجال واحد، فموقع الطائف وبيئتها الزراعية ومناخها وتاريخها وقربها من مكة المكرمة، إضافة إلى تنوعها الطبيعي، تتيح للجامعة أن تبني حزمة من المجالات ذات الأولوية.

الأمن الغذائي والزراعة المستدامة، خصوصًا في المحاصيل والفاكهة والنباتات العطرية والزراعة في البيئات الجبلية.

السياحة والضيافة والاقتصاد الإبداعي، باعتبارها قطاعات يمكن أن ترتبط مباشرة بالتنمية المحلية.

البيئة والمياه والاستدامة، وهي قضايا ترتبط بطبيعة المنطقة ومواردها.

التراث والآثار والتاريخ، بما يتيح إنتاج معرفة متخصصة حول تاريخ الطائف وموقعها في التاريخ العربي والإسلامي.

الصناعات العطرية والتجميلية، التي يمكن أن تبدأ من الورد وتمتد إلى النباتات العطرية وسلاسل القيمة المرتبطة بها.

الاقتصاد الرقمي والتسويق، لتحويل منتجات المنطقة إلى علامات تجارية قادرة على الوصول إلى الأسواق المحلية والعالمية.

وهنا تظهر قيمة الهوية الجامعية الحقيقية: أن تتكامل الكليات حول قضايا المنطقة بدل أن تعمل كل كلية بمعزل عن الأخرى.

الجامعات السعودية.. تكامل لا تنافس متشابه

المقصود بهوية الجامعات ليس أن تصبح الجامعات متنافسة في المجال نفسه. بل العكس تمامًا.