ورطة الحرب على إيران: لا خيارات «جيّدة» أمام ترامب

جاءت نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية، والتي خسر فيها الحزب «الجمهوري» سيطرته على مجلسَي «الكونغرس»، لتزيد حسابات استئناف الحرب على إيران تعقيداً. إذ مع انتقال الأغلبية إلى يد «الديموقراطيين»، ستواجه إدارة دونالد ترامب قيوداً سياسية وتشريعية إضافية ربطاً بهذا الملفّ، يُرجَّح أن يزداد تأثيرها كلّما طال أمد المواجهة وازدادت أعباؤها. ومع أن الرئيس الأميركي يحتفظ بصلاحيات واسعة تتيح له إصدار أوامر عسكرية، فإن الهزيمة الانتخابية ترفع الكلفة الداخلية لأيّ قرار من جانبه باستئناف الحرب، فيما تمنح خصومه أدوات أوسع لمساءلة إدارته بشأن أهداف العمليات العسكرية وتمويلها، وتحدّ من قدرة إسرائيل على الضغط في اتّجاه تزخيمها، لا سيما في ظلّ التململ الشعبي الأميركي من هذه الورطة. وتُضاف إلى تداعيات الحرب، التي جعلت 62% من الأميركيين يرفضونها -بحسب بعض الاستطلاعات-، الأعباء المالية المباشرة، التي تجاوزت، وفق بيانات لـ«البنتاغون» حصلت عليها وكالة «رويترز»، 47 مليار دولار حتى أواخر تشرين الأول الفائت، فيما تطلب الإدارة تمويلاً إضافياً لتغطية النفقات وإعادة بناء المخزونات العسكرية.

ومن شأن تلك المعطيات أن تجعل تسويق جولة واسعة جديدة أمام الرأي العام الأميركي أمراً بالغ الصعوبة، خصوصاً بعدما عجزت العمليات السابقة عن حسم المواجهة مع إيران. ومع ذلك، فإن «الكونغرس» الجديد لن يتسلّم صلاحياته قبل الثالث من كانون الثاني المقبل، وهو ما يترك أمام الإدارة نحو شهرَين للتحرّك في الاتجاه الذي تريده، في ظلّ الأكثرية الحالية. وحتى بعد انتقال السيطرة إلى «الديموقراطيين»، سيحتفظ ترامب بصلاحياته بصفته «القائد الأعلى للقوات المسلحة»، لكن أداءه سيصبح أكثر عرضة للمساءلة؛ إذ يملك «الكونغرس» أدوات لتقييده، تبدأ بتشديد الرقابة على النفقات العسكرية، وتشمل التحقيقات واستدعاء المسؤولين، وصولاً إلى السعي لفرض قيود تشريعية على استخدام القوات الأميركية من دون تفويض من المشرّعين.وكان نجح مجلس النواب الأميركي، خلال الشهور السابقة، في تمرير ثلاثة قرارات تدعو إلى «إنهاء مشاركة القوات الأميركية في الأعمال القتالية ضدّ إيران»، فيما وافق «مجلس الشيوخ» على قرار مماثل. لكن تلك القرارات لم تؤدِّ إلى وقف العمليات العسكرية، في ظلّ الخلاف على قوّتها القانونية وتمسّك الإدارة بتفسير واسع لصلاحيات الرئيس. أمّا بعد الانتخابات، ورغم أن ترامب يستطيع استخدام «حق النقض» (الفيتو) ضدّ التشريعات التي يعارضها، وأن تجاوز هذا «الفيتو» يتطلّب أكثرية الثلثَين في كلّ من المجلسين، وهو ما ليس في يد «الديموقراطيين»، فإن سيطرة خصوم الرئيس على اللجان وجدول أعمالها تمنحهم قدرة أكبر على عرقلة عجلة الحرب.

بات من الصعب تسويق جولة واسعة جديدة أمام الرأي العام الأميركي

ثلاثة خيارات أمام ترامب

إزاء ذلك، يُطرح سؤال حول الخيارات المتاحة أمام إدارة ترامب في شأن إيران. بحسب تقرير لباراك رافيد في موقع «أكسيوس»، نُشر مطلع الشهر الجاري، ثمّة ثلاثة اتجاهات تتنازع الإدارة: أوّلها، يدفع نحو اتفاق دبلوماسي، ويتبنّاه نائب الرئيس جيه دي فانس والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف؛ وثانٍ يؤيّد استئناف الحرب، ويمثّله وزير الدفاع بيت هيغسيث، ويتقاطع مع موقف نتنياهو؛ وثالث يفضّل مواصلة «الضغط الاقتصادي»، من دون التوصّل إلى اتفاق أو العودة إلى حرب واسعة، ويعبّر عنه وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت ومدير «وكالة الاستخبارات المركزية» جون راتكليف. وفي حين يتيح الخيار الأول لترامب تصدير إنجاز سياسي، وتخفيف الضغوط المرتبطة باضطراب إمدادات الطاقة، فإنه قد يتطلّب تنازلات ترفضها إسرائيل وأطراف داخل الإدارة. أمّا استئناف الحرب، سعياً لفرض شروط أشدّ على طهران أو تحقيق إنجاز عسكري يتيح إنهاء المواجهة، فيحمل خطر الانزلاق إلى حرب يصعب ضبط مدّتها ونتائجها. وفي خصوص مواصلة العقوبات والحصار، بالتوازي مع المفاوضات المتقطّعة، فهي تُبقي الأزمة مفتوحة وتطيل تداعياتها الاقتصادية والسياسية.

وما بين هذا وذاك، يواصل نتنياهو الدفع نحو استئناف العمليات. وبحسب «أكسيوس»، ضغط رئيس حكومة الاحتلال، خلال اتصال مع ترامب السبت الماضي، لتوجيه ضربات جديدة إلى إيران فور انتهاء الانتخابات النصفية، فيما فضّل الرئيس الأميركي «منح المفاوضات مزيداً من الوقت». ومن شأن نتائج الانتخابات، بحسب تحليل نشرته «جيروزاليم بوست» عقب الانتخابات النصفية، أن «تضع إسرائيل أمام احتمالَين يثيران قلقها: توجّه ترامب إلى اتفاق يتضمّن تنازلات لطهران، أو سعيه إلى إنهاء الحرب بعملية عسكرية قصيرة تتيح له إعلان تحقيق أهدافه، من دون ضمان النتائج التي تريدها تل أبيب». وبالنسبة إلى نتنياهو تحديداً، وفّرت هزيمة «الجمهوريين» مادّة إضافية لمعارضيه، الذين ربطوا بين تراجع ترامب ومستقبل «بيبي» السياسي. فالعلاقة الشخصية بين الرجلَين، ودعم الرئيس الأميركي الخاص لرئيس حكومة الاحتلال، شكّلا أحد أبرز عناصر القوة التي استند إليها الأخير داخلياً، وقناة للتأثير في قرارات واشنطن حول إيران، فيما من شأن انتكاسة «الجمهوريين» تضييق هامش الاستفادة الإسرائيلية من هذه العلاقة.في موازاة ذلك، أعاد إعلان ترامب المفاجئ، صبيحة يوم الاقتراع، وقف المساعدات المالية السنوية لإسرائيل -البالغة أربعة مليارات دولار- بنهاية العام الجاري، فتح النقاش بشأن مستقبل الدعم الأميركي للكيان. وفي حين برّر ترامب إعلانه بأن «إسرائيل لم تعُد في حاجة» إلى تلك المساعدات، وبأن الاستمرار في تقديمها بات يُستخدم سياسياً ضدّ «الجمهوريين»، جاء قراره هذا ليؤكد حضور هذه المسألة في الحسابات الانتخابية الأميركية، وتحوّلها إلى مادّة خلاف بعدما حظيت طويلاً بتوافق واسع بين الحزبَين. ومع انتقال السيطرة على «الكونغرس» إلى «الديموقراطيين»، قد تتّسع النقاشات بشأن حجم الدعم العسكري لإسرائيل وشروطه وهامش الرقابة عليه، وإن كان الانقسام داخل الحزب الفائز نفسه، واستمرار نفوذ القيادات المؤيّدة للكيان، يحدّان من إمكان بلورة موقف موحّد حيال تلك الملفات.