في نهاية المطاف، لم تكن المسألة مجرّد موجة انتخابية، بل كانت اكتساحاً كاملاً. فقد فاز ديمقراطي بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية كانساس للمرّة الأولى منذ عهد إدارة الرئيس هربرت هوفر. وتمكّن الحزب من انتزاع مقاعد في مجلس الشيوخ في ولايات تكساس وكارولاينا الشمالية وكارولاينا الجنوبية. حتى إنّ الجمهوريين أخفقوا في الفوز بمقاعد في مجلس النواب، ضمن دوائر انتخابية في الجنوب، كانوا قد حاولوا تعزيز فرصهم فيها، من خلال إعادة رسم خرائط انتخابية جديدة، بطريقة تضمن لهم أفضلية سياسية. وشكّلت الانتصارات الديمقراطية الواسعة التي تحققت، توبيخاً حاسماً للرئيس دونالد ترامب، ولأجندته خلال ولايته الرئاسية الثانية.
فقد استولى الحزب على السيطرة على مجلسَي الكونغرس. ورفض الناخبون الجمهوريّون في ولايات محافظة كانت قد دعمت ترامب بفوارق تجاوزت 10 نقاط مئوية قبل عامَين فقط، وفي مناطق لم تشهد انتخابات تنافسية على مقاعد رئيسية منذ عقود. بل إنّ بعض الديمقراطيّين أنفسهم أُصيبوا بالذهول من حجم الانتصارات التي حققوها، وشملت هزيمة غريغ أبوت، الحاكم الجمهوري لولاية تكساس لـ3 ولايات متتالية، وسوزان كولينز، عضو مجلس الشيوخ الجمهوري عن ولاية مين، التي تشغل مقعدها لولاية خامسة.
واعتبر دان سينا، الذي شغل منصب المدير التنفيذي للجنة الحملة الانتخابية الديمقراطية للكونغرس، خلال الموجة الديمقراطية الأخيرة عام 2018: «إنها مجزرة انتخابية. سيكون الديمقراطيون في السلطة في أماكن لم يتمكنوا من الوصول إلى السلطة فيها منذ عقود».
نهاية حقبة الحزب الواحد في واشنطن
وهكذا، انتهى عهد حكم الحزب الواحد في واشنطن على وقع انهيار مدوٍّ، بعدما وجّه الناخبون رسالة رفض واضحة إزاء ارتفاع أسعار الوقود، الحرب غير الشعبية في إيران، واستمرار التضخّم عند مستويات مرتفعة بعناد. ومع بزوغ فجر أمس، ظهرت مؤشرات إلى أنّ البلاد تدخل مرحلة سياسية جديدة وغير مؤكّدة، سيُجبر فيها الحزبان على التفكير في كيفية التعامل مع حقبة سياسية ما بعد ترامب.
وعلى الرغم من أنّ الديمقراطيّين لم يتمكنوا من حل جميع المشكلات التي تسبَّبت في خسارتهم انتخابات عام 2024، فإنّ انتصاراتهم شكّلت مؤشراً قوياً إلى تجدُّد حيويّتهم، في وقت نجح فيه جيل جديد من الشخصيات السياسية الصاعدة في استقطاب اهتمام البلاد.
فعلى مدى سنوات، بدا أنّ الديمقراطيّين يتنافسون ضمن خريطة انتخابية آخذة في الانكماش، مع تركيزهم على عدد أقل من الولايات، والمدن ذات التوجُّه الديمقراطي، والضواحي التي تتزايد فيها التعدّدية السكانية، ومحاولتهم الحدّ من خسائرهم في المناطق الريفية الأميركية.
لكنّ نتائج الثلاثاء أظهرت أنّ العامَين الماضيَين دفعا الناخبين إلى الابتعاد عن الجمهوريّين، حتى في المناطق ذات التوجُّه الجمهوري الراسخ. وبالنسبة إلى الجمهوريّين، فقد شكّلت هذه الخسائر هزيمة ذات أبعاد جيلية، إذ منحت الديمقراطيّين موطئ قدم، يمكنهم الانطلاق منه لبناء ماكينة سياسية قوية، في مناطق كانت خارج متناولهم لفترة طويلة.
اختراقات ديمقراطية في معاقل الجمهوريّين
ففي مقاطعة سيوارد بولاية كانساس، وهي منطقة ذات غالبية من أصول لاتينية، فاز المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ، آدم هاميلتون، بفارق تجاوز 10 نقاط مئوية. وقبل عامَين فقط، كان ترامب قد فاز في هذه المقاطعة بفارق 40 نقطة مئوية.
وفي ولاية أيوا، ذات الطابع الزراعي إلى حدّ كبير، فاز الديمقراطيون بمنصب الحاكم، وبمقعد في مجلس الشيوخ الأميركي، كما انتزعوا 3 من المقاعد الـ4 المخصَّصة للولاية في مجلس النواب. أمّا في جنوب تكساس، ففاز الديمقراطيون بـ3 دوائر انتخابية حدودية ذات غالبية لاتينية، كان الجمهوريون قد أعادوا رسم حدودها بما يخدم مصالح حزبهم ويعزّز فرصه الانتخابية.
وفي ولايات كثيرة، خاض الديمقراطيون الانتخابات بمرشحين قدّموا نموذجاً سياسياً مختلفاً بصورة واضحة عن نهج «المقاومة»، الذي ميّز ردّ فعل الحزب على الولاية الرئاسية الأولى لترامب. وبدلاً من ذلك، ركّزوا رسائلهم على القلق الاقتصادي العميق الذي يعصف بالبلاد، معتبرين أنّ الرئيس وحلفاءه الجمهوريّين، يكدّسون الثروات لأنفسهم، فيما يكافح الأميركيون العاديون لتأمين احتياجاتهم.
وأظهر استطلاع تلو الآخر، أنّ غالبية الناخبين، إلى جانب شريحة ملحوظة من الجمهوريّين، يمنحون سياسات ترامب الأساسية تقييماً متدنّياً، وفي مقدّمتها الرسوم الجمركية، وتطبيق قوانين الهجرة، والحرب في إيران.
وأوضحت حاكمة ولاية نيوجيرسي، ميكي شيريل، التي شكّل فوزها العام الماضي مؤشراً مبكراً إلى الانتصارات الديمقراطية المقبلة: «عندما تولّى ترامب منصبه للمرّة الأولى، كانت هناك حالة من الاضطراب والتقلّبات المستمرة. لكنّ هؤلاء المرشحين لم يسمحوا لأنفسهم بالانجرار إلى دوامة الاضطراب هذه».
مرشحون يتجاوزون الاصطفافات الحزبية
وقدّم كثيرون حملاتهم الانتخابية على أنّها تتجاوز الحسابات الحزبية، محاولين النأي بأنفسهم عن الصورة الوطنية المتعثرة للحزب الديمقراطي، واستمالة الناخبين في الولايات ذات التوجُّه الجمهوري. وأعلن جيمس تالاريكو، المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية تكساس، أمام أنصاره الذين كانوا يهتفون احتفالاً بفوزه: «هذا الانتصار لا يتعلق بالحزب الديمقراطي أو الحزب الجمهوري. إنّه أكبر بكثير من ذلك. هناك شيء معطوب في أميركا. إنّ الناس من مختلف الأطياف السياسية يتوقون إلى نوع مختلف من السياسة».
وكانت النتيجة على المستوى الوطني تشكيل مظلة سياسية واسعة، ضمّت عبد الإله السيد، الشخصية الإسلاموية المتحمّسة في ولاية ميشيغان، وآدم هاميلتون، القس في كانساس والجمهوري السابق، الذي عزّز صعوده من خلال استمالة الناخبين المحافظين.
وأظهر اتساع نطاق الانتصار، أنّ المستقبل الأيديولوجي للحزب لا يزال غير محسوم، ما يمهّد الطريق أمام حملة الانتخابات التمهيدية لعام 2028. ومن المتوقع أن تشهد تلك المنافسة ازدحاماً بالسياسيّين المتحمّسين للاستفادة من موجة الدعم الشعبي المتصاعدة، التي يرون أنّها قد تحمل أحدهم إلى البيت الأبيض.
لكنّ المظلة السياسية الواسعة قد تتيح أيضاً مساحة أكبر للخلافات في داخلها. فمن نواحٍ كثيرة، أظهرت انتخابات منتصف الولاية، أنّ الحزب لا يزال منقسماً بين الاشتراكيّين والإسلاميّين والمعتدلين، وكذلك بشأن إسرائيل، وبشأن أفضل مسار ينبغي اتباعه في المرحلة المقبلة.
هل انتصر الديمقراطيون أم خسر الجمهوريون؟
لكنّ النتائج تترك سؤالاً جوهرياً مفتوحاً: هل فاز الديمقراطيون فعلاً؟ أم أنّ الجمهوريّين هم الذين خسروا فحسب؟ ستتضح الإجابة خلال الأشهر المقبلة، فيما يحاول الديمقراطيون الحفاظ على مكاسبهم والعمل على الفوز بالرئاسة.
وأوضحت ليز سميث، وهي استراتيجية سياسية أسّست مجموعة سياسية ديمقراطية لدعم المرشحين المتمرّدين على النهج التقليدي: «هذه ليست سوى بداية عملية إعادة بناء ستستمر عقوداً. وأسوأ ما يمكن أن يفعله الديمقراطيون هو الاعتقاد بأنّ جميع مشكلاتنا قد حُلّت. تكمن مشكلة الليلة الانتخابية الناجحة في أنّها قد تخفي وراءها الكثير من نقاط الضعف».
ومع ذلك، كان من الواضح أنّ الديمقراطيين عالجوا بعض نقاط الضعف التي كلّفت حزبهم خسارة البيت الأبيض قبل عامَين فقط. ففي آخر استطلاع وطني أجرته «نيويورك تايمز» بالتعاون مع مركز «سينا» قبل الانتخابات، تقدّم الديمقراطيون بفارق 8 نقاط مئوية في ملف الاقتصاد، وبفارق 15 نقطة في ملف تكاليف المعيشة. وشكّلت هذه التقييمات انقلاباً كبيراً مقارنةً بعام 2024، عندما كان ترامب يتمتع بأفضلية لدى الناخبين في ما يتعلّق بالاقتصاد.
استراتيجية الجمهوريّين لم تنجح
وصوّر الجمهوريون الانتخابات على أنّها ليست استفتاءً على ترامب، بل كانت خياراً بين سياساتهم القائمة على «المنطق السليم»، وبين حزب ديمقراطي تسيطر عليه مجموعة من الاشتراكيّين والشيوعيّين والإسلاميّين والجناح اليساري المناهض للقِيم الأميركية. وحاولوا تصوير الديمقراطيّين على أنّهم منفصلون عن قِيم الولايات ذات التوجُّه الجمهوري، ووصموهم بأنّهم مفترسون جنسياً، ومؤيّدون لتطبيق الشريعة الإسلامية، بل وحتى بأنّهم من النباتيّين.
ومرّة تلو أخرى، حاول الجمهوريون تغيير المعادلات البنيوية للانتخابات بما يصبّ في مصلحتهم. فقد أنفقوا مبلغاً استثنائياً بلغ 12 مليار دولار، مستعينين بإيلون ماسك، أغنى شخص في العالم، للمساعدة في تمويل حملاتهم الهجومية. وفي عملية غير مسبوقة لإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية في منتصف العقد، أعادوا رسم حدود الدوائر الانتخابية للكونغرس في مختلف الولايات المحافظة، بما يضمن ترجيح الكفة لمصلحتهم.
لكنّ تلك الجهود اصطدمت بواقع الأوضاع المالية للأميركيّين، وبقناعة واضحة لدى الناخبين، بأنّ سياسات ترامب هي المسؤولة عن ارتفاع أسعار المساكن والمواد الغذائية والوقود.
تكاليف المعيشة في صدارة المخاوف
وامتد القلق من تكاليف المعيشة إلى جميع قطاعات الحياة الأميركية تقريباً. وكانت هناك علامة واحدة، أكثر حضوراً وانتشاراً من أي لوحة إعلانية انتخابية، تذكّر الأميركيّين بحقيقة لا يمكن تجاهلها: أسعار الوقود المعروضة على مضخات محطات البنزين في مختلف أنحاء البلاد.
وأوضحت ساتيريا بيترسون (42 عاماً)، وهي صاحبة شركة في مدينة كولومبيا بولاية كارولاينا الجنوبية: «لا نشعر بأنّ هناك ما يكفي من الإجراءات المتخذة لجعل الاحتياجات اليومية الأساسية في متناول الجميع. نحن نحاول الاستفادة من كل دولار لتغطية الأساسيات، مع هامش أقل لتغطية الطوارئ أو الادخار». وأكّدت جالين واشنطن (21 عاماً)، من مدينة دايتون في ولاية أوهايو، أنّها صبّت إحباطها الاقتصادي على الجمهوريّين: «أياً يكن الشخص الذي أراده ترامب، فقد صوّتُّ ضدّه».
وإلى جانب المخاوف التقليدية التي تشغل الأسر الأميركية، والمتعلقة بأسعار الوقود وتكاليف المعيشة، عبّر الناخبون عن قلق متزايد إزاء قضايا جديدة تماماً، هي مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. وفي مختلف أنحاء البلاد، سعى المرشحون الجمهوريون الذين كانت فرصهم الانتخابية مهدّدة، إلى النأي بأنفسهم عن الدعم المطلق الذي يقدّمه الرئيس لمراكز البيانات. ولم تكن هذه القضية الوحيدة التي سعى فيها مرشحو الحزب، حتى في الولايات ذات التوجُّه الجمهوري التقليدي، إلى التمايز عن ترامب. ففي ما يتعلّق بالحرب في إيران، والرسوم الجمركية، وتطبيق قوانين الهجرة، أبدى هؤلاء المرشحون مواقف مخالفة لنهج ترامب.
انشقاقات جمهورية واستعداد لمرحلة ما بعد ترامب
لكن بالنسبة إلى كثيرين، جاء هذا الاعتراض متأخّراً جداً. وبدأ بعض الجمهوريّين التطلّع إلى مستقبل يؤدّي فيه ترامب دوراً أقل بروزاً وتأثيراً. ويلفت النائب دون بايكون، وهو مشرّع جمهوري متقاعد من ولاية نبراسكا، يعتزم إلقاء خطاب هذا الشهر يحدّد فيه توجّهاً جديداً لحزبه: «أريد فعلاً أن أناضل من أجل روح حزبنا، إذ أشعر بأننا نسير في طريق سيّئ». لكنّ المقعد الذي يشغله في الكونغرس سيؤول، مع ذلك، إلى ديمقراطي.