تحيط المدينة النبوية الكثير من الجبال والحرار من جميع جهاتها، لذا تكثر فيها الأودية، وهذه الأودية لم تكن مجرد مجارٍ للسيول، بل حاضنات لأحداث تاريخية ومواقف مشرّفة من السيرة النبوية، يمكن تصنيفها إلى قسمين: أودية شهيرة وهي: وادي العقيق أو الوادي المبارك، وادي بطحان، وادي الرانوناء، وادي مهزور، وادي قناة، وادي مذينيب. وأودية أقل شهرة وهي: وادي شظاه، وادي الصرار، وادي جفاف، وادي العريض وغيرها من الأودية، وتمتاز تلك الأودية بميزات وخصائص جعلت الإنسان أن يحرص على السكنى فيها، ومن أهم خصائصها: وفرة المياه وخصوبة التربة ونظافة البيئة وجوّها اللطيف، فشهدت تلك الأودية على حضارات قديمة حيث سكنت على ضفافها قبائل عربية وأرست دعائم التطور الحضاري، والبعض منها ورد ذكرها في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أن البعض ارتبطت بالحوادث التاريخية الإسلامية، وتتمتع تلك الأودية بعمق حضاري بوصفها حاضنةً لجزء من التاريخ والثقافة، لذا فإنها من مثيرات الأشواق إليها منذ القدم، فكم من الشعراء تغلغل حبّها في قلوبهم فنفثوا هذا الحب شعراً ونثراً.
وإضم (وادي الحمض حالياً).. اسم الوادي في المدينة النبوية، وهو ملتقى أودية مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث يلتقي وادي قناة ووادي بطحان مع وادي العقيق شمال المدينة المنورة غرب جبل أحد، ويشكِّل الجزء الشمالي الغربي لجبل أحد مع مجموعة جبيلات تسمى (جبال الرسي) أضيق منطقة تضم الأودية السابقة أي: وادي العقيق ووادي بطحان ووادي قناة، وتصبح وادياً واحداً هو (إضم) لانضمام الأودية بعضها إلى بعض، ثم يستمر ماراً بالغابة، ثم بالكثير من المواقع حتى يصبّ في البحر الأحمر ما بين محافظة الوجه ومحافظة أملج، ويشكِّل وادي إضم منطقة جميلة صيفاً وشتاءً، ويزيد الموقع جمالاً كرائم النخل المنتشرة في كل موقع والتي تغطي منطقة إضم كاملاً، ولذا كان يُسمى أيضاً (وادي النخل) وكذلك يكثر فيه شجر السَّلم.
ولشهرته وعلاقته بالسيرة والأدب فقد ذكره معظم المؤرخين، حيث قال الحموي: «إضم وادٍ في المدينة ويسمى من عند المدينة « القناة»، ومن أعلى منها يسمى «الشظاة»، ومن عند الشظاة إلى أسفل يُسمى إضماً إلى البحر. وقال الفيروزآبادي: (إضم) بكسر الميم المعجمة اسم الوادي الذي تجتمع فيه أودية المدينه، وقال السمهودي: إضم: اسم الوادي الذي تجتمع فيه أودية المدينة، وسمي إضم لانضمام السيول إليه، ويسمى اليوم بالضيقة ويسمى زغابة بمجتمع السيول. وقال ابن السكيت: إضم واد يشق الحجاز حتى يفرغ في البحر، وأعلى إضم القناة التي تمرّ دُوين المدينة. قال الهجري: «سُمّي إضم لانضمام السيول به واجتماعها فيه». وقال ابن شبة: «تجتمع هذه الأودية بزغابة، وهو طرف وادي إضم، سمي بإضم لانضمام السيول به». قال الزبير: ثم تمضي هذه السيول إذا اجتمعت فتنحدر على عين أبي زياد والصورين في أدنى الغابة، ثم تلقى هذه السيول وادي نقمي ووادي نعمان أسفل من عين أبي زياد، ثم تنحدر هذه السيول فتلقاها سيول الشعاب من كنفيها، ثم يلقاها وادي ملل بذي خشب وظلم والجنينة، ثم يلقاها وادي ذي أوان ودوافعه من الشرق، ويلقاها من الغرب وادٍ يقال له بواط والخرّار، ويلقاها من الشرق وادي الأئمة، ثم تمضي في وادي إضم حتى يلقاها وادي برمة الذي يقال له ذو البيضة من الشام، ويلقاها وادي ترعة من القبلة، ثم يلتقي هو ووادي العيص من القبلة، ثم يلقاه دوافع وادٍ يقال له حجر، ووادي الجزل الذي به السقيا والرحبة في نخيل ذي المروة مغرباً، ثم يلقاه وادي عمودان في أسفل ذي المروة، ثم يلقاه وادٍ يقال له سفان حين يُفضي إلى البحر عند جبل يقال له أراك، ثم يدفع في البحر من ثلاثة (أمكنة) يقال له اليعبوب والنتيجة وحقيب.
وقال البلادي: «إضم يعرف اليوم بوادي الحمض يأخذ كل مياه الجلس من مهد الذهب جنوباً إلى حفيرة الأيدا شمالاً، وهي مسافة تقرب من أربعمائة كيل، أي أنه إقليم كبير، ومن أهم روافده: وادي النقيع والعقيق الشرقي ونخل وأودية خيبر والجزل ووادي القرى، وملل والعيص، وألتمة، وعشرات الأودية الأخرى وهو وادي المدينة». وقال فيه أحد العلماء: «وادي الحمض واسمه التاريخي وادي إِضَم أحد أكبر أودية شبة الجزيرة العربية، ويبلغ طوله حوالي 450 كم تقريباً، يبدأ من منطقة المدينة المنورة ويسير شمالاً بميل إلى الغرب حتى شمال غرب خيبر حين يلتقي بوادي الجزل ومن ثم يغير اتجاهه إلى الغرب ويخترق الجبال إلى السهل الساحلي حتى يصب في البحر الأحمر بين مدينتي أملج والوجه، ويقع مصبه بالتحديد شمال أملج 107 كيلومترات ويتحول في بعض المواسم لنهر جار قد يستمر أكثر من 20 يوماً دون توقف، ويعتبر وادي الحمض مختلفاً عن جميع أودية تهامة الأخرى، حيث إنه الوادي الوحيد الذي لا يبدأ من الحافة الغربية لهضبة شبه الجزيرة العربية».
وجاء في تقرير فريق الصحراء: «تبدأ روافد وادي الحمض (إضم) من أعالي حرة رهاط جنوب المدينة المنورة مكونة وادي العقيق الذي يجري من الجنوب إلى الشمال ثم يمرّ غرب المدينة ويحف جبل أحد من الغرب ثم خلف أحد هناك مجتمع أسيال المدينة، حيث يلتقي العقيق مع نقمى مع وادي خضراء مكونة وادي الحمض من هناك يتوجه شمالاً غرب ليحتلب سيول الجهة الشرقية من جبال الأجرد العظيمة فينضم له وادي ظلم ثم بواط ثم ملل (المليليح) كذلك تأتيه سيول البيضاء من الشرق ثم يختفي الوادي وسط جبال حتى يخرج قبل السليلة لينفرج مجراه ويسع جداً مكوناً سبخات وغدران متناثرة... هنا ينحني للغرب أكثر ثم يفيض فيه واديين كبيرين فمن الشرق تأتيه سيول خيبر الى هدية (الطبق) ومن الجنوب يردفه وادي ترعة ثم وادي العيص الكبير عند السليلة وبعد حوالي 15كم يلتقي الحمض بأعظم روافده ألا وهو وادي الجزل القادم من أقصى الشمال وفي هذه المنطقة تكثر السباخ والغدران الدائمة وتنتشر آثار الزرع والعيون القديمة، ثم يصبح اتجاه الوادي غرباً ويجري بين جبال على يمينه ويساره كلها ترفده كلما اتجه غرباً لعلّ أكبرها وادي المرامية من الجنوب ووادي عمودان من الشمال، وعند قرية المرامية يضيق مجرى الوادي مرة أخرى وينحني جنوباً ثم غرب ويمر بين سلاسل جبال تحصره منها ملح شمالاً وصيخان جنوباً وبعد حوالي 60كم تنزاح الجبال ويترك جبال رال على شماله ثم يتوجه إلى البحر الأحمر مكوناً دلتا عظيمة تدل على أنه كان نهراً عظيماً في الأزمان المطيرة».