ربما تكون أقسى لحظات الإنسان تلك التي يلتفت فيها إلى سنواته الماضية، لا ليحزن على ما مرّ فيها من ألم، وإنما ليكتشف أنه كان حاضراً في حياة الآخرين أكثر مما كان حاضراً في حياته. يتذكر كم كان يعرف عن هذا المشهور، وماذا قال ذاك، وأين ذهب، ومن تزوج، ومن انفصل، وماذا اشترى، وماذا أكل، وأين سافر، ثم يكتشف أنه يعرف عن أطفال بعضهم وإخوانهم، وربما حتى خَدَمهم، جزئيات لا يعرفها عن نفسه.
عندها لا يكون السؤال: لماذا كنت أتابعهم؟ بل: ماذا كنت أفعل بحياتي وأنا أتابع كل هذا؟ وهنا تأتي الصدمة التي قد يتأخر الإنسان في إدراكها: أن الوقت لم يذهب وحده، وإنما ذهب معه شيء من عمره، وشيء من اهتمامه، وشيء من نفسه. فالحياة لا تُسرق دائماً بحادثة كبيرة، قد تُسرق على هيئة دقائق صغيرة تتكرر كل يوم، حتى تصبح سنوات كاملة لا يستطيع الإنسان استعادتها.
والفراغ من أكثر الأبواب التي يدخل منها هذا النوع من التعلّق. فالإنسان إذا انقطع عن العمل، وطال به التعطل، وضعفت صلته بالمحيط، ولم يعد لديه ما يشغله أو مشروع ينتظره أو غاية يسعى إليها، يبحث بطبيعته عن شيء يملأ المساحة الفارغة في يومه. وهنا يجد يوميات الآخرين جاهزة أمامه. لا يحتاج إلى أن يبني شيئاً، ولا أن يتعلم شيئاً، ولا أن يخوض تجربة قد يفشل فيها؛ يكفي أن يفتح هاتفه. هناك دائماً قصة جديدة، وصورة جديدة، وخبر جديد، ومشكلة جديدة، وشخص جديد يمكن أن يراقب مسيرته.
وهكذا يتحول الفراغ من مجرد وقت زائد إلى نظام حياة. يبدأ الإنسان يومه بهم، وينهيه بهم، وبين الصباح والمساء ينتقل من شأن شخص إلى شأن آخر، حتى يصبح منشغلاً طوال الوقت، لكنه لا يتقدم خطوة واحدة في حياته.
والمتابعة اليومية أو شبه اليومية للمشاهير بمختلف أنواعهم ومسمياتهم، ومعرفة جزئيات حياتهم، هي كارثة بكل المقاييس حين تتحول من اهتمام عابر إلى تعلق دائم. وهي في كثير من الأحيان تكشف حجم الفراغ الذي يعيشه المتابع، وضعف اهتمامه بذاته، وربما جهله بقدراته ومواهبه. تخيل إنساناً يستطيع أن يخبرك خلال دقائق عن حياة شخص لا يعرفه، لكنه إذا سألته: ماذا قرأت؟ ماذا تعلمت؟ ماذا أنجزت؟ ماذا تريد أن تصبح بعد خمس سنوات؟ ما الموهبة التي تعمل على تطويرها؟ ربما بحث طويلاً عن إجابة.
هنا تكمن المفارقة المؤلمة: أن يعرف الإنسان عن الآخرين ما لا يعرفه عن نفسه. يحفظ أخبارهم، ويتابع خطواتهم، وينشغل بما يقولون ويفعلون، بينما تمر أيامه هو دون أن يسأل نفسه إلى أين تمضي. ينظر إلى حياة غيره كل يوم، حتى تصبح حياته هو شيئاً مؤجلاً؛ مشروعاً لم يبدأه، وموهبة لم يكتشفها، ووقتاً يمضي دون أن يستثمره. ومع كثرة النظر إلى الخارج، يضعف نظر الإنسان إلى داخله، فيصبح شديد المعرفة بأحوال الناس، قليل المعرفة بنفسه. وكأن عينيه اعتادتا أن تريا كل شيء، إلا ما يستحق أن تراه أولاً: حياته هو.
وفي فترة من حياتنا كان عندنا اهتمام بحياة الفنانين والممثلين واللاعبين في الصحف والمجلات، ولا أجد لذلك مبرراً غير أن هؤلاء كانوا محدودي العدد مقارنة بما تشاهده اليوم من كثرة من يطلق عليهم «مشاهير». ثم إن الفنان أو الرياضي كان غالباً صاحب موهبة أو إبداع أو إنجاز، وفي ذلك إغراء بمعرفة أعماله الفنية أو إنجازاته الرياضية.
أما اليوم فقد أصبح بعض المشاهير مشهوراً لأنه مشهور، وتصبح يومياته هي المنتج الذي يقدمه للناس. ماذا قدم أكثر هؤلاء سوى الإعلانات الاستهلاكية، والصراعات المفتعلة وغير المفتعلة، والتفاهات التي تشجع على الجهل والكسل؟ ليست المشكلة في أن يعرف الإنسان شخصاً مشهوراً، ولا في أن يُعجب بموهبة أو يتابع إنجازاً؛ المشكلة حين يتحول هذا الاهتمام إلى استنزاف للعقل والوقت، وحين تصبح حياة شخص آخر موضوعك اليومي الذي يشغلك أكثر من حياتك أنت. وإنها لبلادةٌ في الفهم، وسطحيةٌ في التفكير، حين يمنح الإنسان أعظم ما يملك، وهو وقته، لمن لا يضيف إلى عقله ولا إلى قلبه ولا إلى مستقبله شيئاً.
والأشد ألماً أن هذه السرقة لا تحدث أمامك. لا يأتيك آخر الليل من يقول لك: لقد أضعت اليوم أربع ساعات. لا ترى العمر وهو ينقص أمام عينيك. كل ما تراه دقائق متفرقة: خمس دقائق هنا، وعشر هناك، ثم ساعة، ثم ساعات. تفتح الهاتف في الصباح، وتغلقه، ثم تعود إليه بعد قليل، ثم في الظهيرة، ثم المساء، ثم قبل النوم. وبعد أشهر يصبح الأمر عادة، وبعد سنوات يصبح جزءاً من شخصيتك وطريقة عيشك. وحينها قد تكتشف أنك لم تكن تتابع المشاهير فقط، بل كنت تؤجل نفسك؛ كتاباً كان يمكن أن تقرأه، ومهارة كان يمكن أن تتعلمها، ومشروعاً كان يمكن أن تبدأه، وعملاً كان يمكن أن تنجزه.
ولذلك فإن أخطر ما في الأمر أنه لا يسرق الوقت فحسب، بل يسرق الإنسان من نفسه؛ يجعله حاضراً في كل شيء إلا في حياته، مطلعاً على الجميع إلا على نفسه، مشغولاً بأخبار الناس بينما أخباره هو لا تتغير.
وربما لهذا كان الفراغ أخطر مما نظن؛ لأنه لا يترك الإنسان فارغ اليدين فقط، بل قد يملأه بما لا ينفعه. فإذا لم يكن في يومك عمل يشغلك، وغاية تسعى إليها، وشيء تبنيه لنفسك، ستجد ألف باب يفتح لك لتعيش في يوميات الآخرين. لذلك لا تنتظر الظروف المثالية حتى تبدأ. اعمل بما تستطيع، ولو كان العمل بسيطاً، وتعلّم ولو بخطوات متواضعة، واقرأ، واكتب، ومارس ما ينفعك، وابحث عن مهارة تنميها، أو مشروع تبدأه، أو باب خير تشارك فيه. ليس المهم أن تمتلئ ساعاتك بأي شيء، وإنما أن يكون في يومك شيء يعود إليك؛ شيء يجعلك في نهاية اليوم تشعر أنك أضفت إلى نفسك شيئاً، ولو كان قليلاً.
قال بعض العلماء: «من أمضى يوماً من عمره في غير حقٍّ قضاه، أو فرضٍ أدّاه، أو مجدٍ أثّله، أو حمدٍ حصّله، أو خيرٍ أسّسه، أو علمٍ اقتبسه؛ فقد عقّ يومه وظلم نفسه».
فالإنسان حين يجد ما يبنيه في نفسه، لا يعود مشغولاً بما يبنيه الآخرون؛ وحين يمتلئ طريقه بما يستحق، تخف رغبته في السير خلف طُرق الناس. فالعمر أضيق من أن يُنفق في مراقبة أيام الآخرين، وأثمن من أن يتحول إلى سجلٍّ لأخبارهم. وما يؤلم ليس أن تعرف عن حياة شخص لا يعرفك، وإنما أن تعرف عنه الكثير، ثم تكتشف أنك لم تكن تعرف أين تمضي حياتك أنت. فأولى بحضورك أن يكون في حياتك، وأولى بوقتك أن يكون فيما يصنعها.
ربما تكون أقسى لحظات الإنسان تلك التي يلتفت فيها إلى سنواته الماضية، لا ليحزن على ما مرّ فيها من ألم، وإنما ليكتشف أنه كان حاضراً في حياة الآخرين أكثر مما كان حاضراً في حياته. يتذكر كم كان يعرف عن هذا المشهور، وماذا قال ذاك، وأين ذهب، ومن تزوج، ومن انفصل، وماذا اشترى، وماذا أكل، وأين سافر، ثم يكتشف أنه يعرف عن أطفال بعضهم وإخوانهم، وربما حتى خَدَمهم، جزئيات لا يعرفها عن نفسه.
عندها لا يكون السؤال: لماذا كنت أتابعهم؟ بل: ماذا كنت أفعل بحياتي وأنا أتابع كل هذا؟ وهنا تأتي الصدمة التي قد يتأخر الإنسان في إدراكها: أن الوقت لم يذهب وحده، وإنما ذهب معه شيء من عمره، وشيء من اهتمامه، وشيء من نفسه. فالحياة لا تُسرق دائماً بحادثة كبيرة، قد تُسرق على هيئة دقائق صغيرة تتكرر كل يوم، حتى تصبح سنوات كاملة لا يستطيع الإنسان استعادتها.