هل تدفع دول الخليج ثمن الحروب الأمريكية في الشرق الأوسط؟ أم أن الولايات المتحدة تحارب أساساً من أجل مصالحها؟ – د.عبدالله الفايز

يتكرر بعد كل حرب أو مواجهة عسكرية في الشرق الأوسط حديث مفاده أن دول الخليج، وخصوصاً الدول الغنية منها، ستدفع في النهاية فاتورة العمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة، وكأن الولايات المتحدة تأتي لتقاتل نيابة عن الخليج ثم تقدم له فاتورة الحساب. وأنا لا أعتقد أن هذه القراءة تفسر الصورة كاملة، بل أرى أنها تختزل علاقة شديدة التعقيد في مسألة مالية مباشرة. فالولايات المتحدة دولة تبعد آلاف الكيلومترات عن معظم دول الشرق الأوسط، وحدودها البرية أو مدنها ليست معرضة بصورة مباشرة لما يحدث في الخليج أو العراق أو سوريا أو اليمن، ومع ذلك حافظت واشنطن لعقود على وجود عسكري كبير في المنطقة، بعد استلامها من بريطانيا بعد الحرب العالمية. وليس حباَ في دول الخليج، ووجودها يضم قوات وقواعد ومنشآت بحرية وجوية، لأن المنطقة لها أهمية إستراتيجية للولايات المتحدة، مرتبطة بأمن الطاقة والتجارة والممرات البحرية والتوازنات الإقليمية ومواجهة الخصوم وحماية الحلفاء. وتؤكد مصادر أمريكية أن الولايات المتحدة تحتفظ بوجود عسكري واسع في أكثر من اثنتي عشرة دولة في الشرق الأوسط، إضافة إلى قوات بحرية منتشرة في مياه المنطقة. وما يحدث الآن هو خلاف بين أمريكا وعملائها إيران وإسرائيل.وهي من دعمت الشاه و»صنعت قوة إيران» كفزاعة في المنطقة ولميزان القوى. وهي وكما صرح المسوؤلون الامريكيون من «صنعت الإرهاب»الديني والسياسي لتفريق شعوب المنطقة. فصنعت القاعدة وداعش وحزب الله وبعض القيادة الفلسطينية وكل ذلك من خلال إيران وإسرائيل.

ومن هنا فإن السؤال المنطقي ليس: «لماذا تدفع دول الخليج لأمريكا؟»، وإنما: لماذا توجد أمريكا أصلاً في الشرق الأوسط، وما الذي تحصل عليه من هذا الوجود؟ وإذا نظرنا إلى التاريخ، نجد أن المصالح الأمريكية في المنطقة سبقت كثيراً من الحروب الحديثة، وارتبطت بالنفط والتجارة والممرات البحرية والأمن الإقليمي وموازين القوى، ولذلك فإن من الطبيعي أن تدافع الولايات المتحدة عن مصالحها عندما ترى أن اضطراب المنطقة يمكن أن يؤثر في الأمن الدولي أو في حلفائها أو في التجارة العالمية. وقد يكون للدفاع عن حلفائها الخليجيين دور حقيقي في السياسة الأمريكية، ولكن اختزال كل التدخل الأمريكي في أنه خدمة مجانية لدول الخليج ليس تفسيراً مقنعاً. والولايات المتحدة، مثل أي قوة كبرى، لا تدخل حرباً واسعة فقط من أجل مصلحة طرف آخر، وهي قد تتحمل تكاليف عسكرية ضخمة، لكنها في المقابل تحصل على نفوذ استراتيجي، ومواقع عسكرية، وقدرة على حماية خطوط التجارة والطاقة، وتأثير على موازين القوى، وعلاقات سياسية واقتصادية واسعة، ولذلك فإن من الطبيعي أن تكون العلاقة تبادل مصالح وليست علاقة «أمريكا تحارب والخليج يدفع». وقد قدمت دول الخليج مساعدات لأمريكا خلال حرب أفغانستان والنفوذ الروسي، ولم تطلب دول الخليج تعويضا.

لكن هناك جانباً آخر في هذه القضية أراه أكثر إثارة للجدل، فمنذ الحرب الباردة، لعبت الولايات المتحدة أدواراً في تشكيل التوازنات الإقليمية بصورة غير مباشرة، كما دعمت قوى محلية ومجموعات مسلحة في صراعات مختلفة، وفي أفغانستان خلال الحرب ضد الاتحاد السوفيتي، قدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها دعماً واسعاً للمجاهدين الأفغان عبر باكستان، في إطار إستراتيجية الحرب الباردة. وقد خرج من تلك البيئة لاحقاً عدد من الشبكات والتيارات المسلحة التي تطورت في اتجاهات مختلفة، والتي صنعتها أمريكا كما أشار المسوؤلون الأمريكيون. من بينها تنظيم القاعدة وداعش وحزب الله وبعض القيادات الفلسطينية. إذ ساهمت الحرب الأفغانية والتمويل والتسليح والشبكات العابرة للحدود في خلق بيئة مكّنت التطرف المسلح من النمو، ثم تطورت القاعدة لاحقاً إلى تنظيم معادٍ للولايات المتحدة نفسها.

وهنا تظهر مفارقة مهمة في السياسة الدولية: قد تساعد قوة كبرى في بناء قوة محلية لمواجهة خصم معين، ثم تتحول هذه القوة لاحقاً إلى مشكلة أو عدو لها. وهذه ليست ظاهرة أمريكية فقط؛ فقد استخدمت قوى إقليمية ودولية مختلفة جماعات مسلحة وشركاء محليين لتحقيق أهداف مرحلية، ثم وجدت نفسها لاحقاً في مواجهة بعض هؤلاء الشركاء.

أما إيران، فالقصة أكثر تعقيداً من القول إن أمريكا «صنعتها». الثورة الإيرانية عام 1979 أطاحت بنظام الشاه، وأدت إلى تحول جذري في علاقة إيران بالولايات المتحدة. وبعد الثورة عملت إيران بنفسها، على مدى عقود، على بناء شبكة واسعة من الجماعات المسلحة والحلفاء في المنطقة. وتؤكد دراسات حديثة أن الحرس الثوري الإيراني، وخصوصاً قوة القدس، قدم التدريب والسلاح والتمويل لعدد من الجماعات المسلحة في لبنان والعراق واليمن ومناطق فلسطينية وسوريا، في إطار استراتيجية تهدف إلى تعزيز النفوذ الإيراني والضغط على خصومها. وأرى أن أمريكا صنعت إيران»، ونصبت الخميني، فالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ساهمتً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في خلق الظروف التي استفادت منها إيران لتوسيع نفوذها، فالولايات المتحدة أطاحت بنظام صدام حسين عام 2003، وهذا أسقط أحد أهم أعداء إيران الإقليميين وفتح المجال أمام نفوذ إيراني واسع داخل العراق، كما أن الحرب في العراق والانهيار المؤسسي والصراعات الطائفية أوجدت بيئة ساعدت على نمو جماعات مسلحة مرتبطة بإيران. وبالتالي فإن واشنطن، حتى عندما كانت تريد إضعاف إيران، اتخذت في بعض المراحل قرارات كانت نتائجها الجيوسياسية مفيدة لطهران.

وهذه واحدة من أكثر المفارقات تعقيداً في تاريخ المنطقة: قد تتخذ الدولة قراراً لتحقيق هدف مباشر، ثم تنتج عنه نتائج استراتيجية عكسية بعد سنوات. ولذلك فإن من الممكن انتقاد بعض السياسات الأمريكية باعتبارها ساهمت في تعزيز البيئة التي استفادت منها إيران، لكن ذلك لا يساوي القول: إن واشنطن خططت منذ البداية لصناعة إيران كقوة إقليمية. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الجماعات المسلحة. لقد نجحت إيران بالفعل في بناء شبكة إقليمية واسعة، تضم داعش والقاعدة وحزب الله في لبنان، والميليشيات العراقية، والحوثيين في اليمن، وعلاقات مع حماس والجهاد الإسلامي وغيرها.

وتشير الدراسات إلى أن هذه الشبكة تمنح طهران قدرة على ممارسة النفوذ خارج حدودها، مع إبقاء بعض العمليات بعيداً عن مسؤوليتها العسكرية المباشرة، وهو ما يوفر لها مساحة من الإنكار والمناورة ويزيد كلفة الحرب على خصومها. والحوثيون، مثلاً، شلة ودمى تتحرك بمجرد أمر من طهران حركة يمنية نشأت من ظروف يمنية داخلية،فهم مجرد «وكيل إيراني» وشريك لإيران بدرجات متفاوتة ولهم أجندتهم المحلية الخاصة، حيث إن الدعم الإيراني العسكري والتقني عزز قدراتهم بصورة كبيرة. وحزب الله بدوره ليس مجرد قوة خارجية زرعتها إيران في لبنان، وخلقت لها قاعدة اجتماعية وسياسية وعسكرية ومصالح محلية، مع ارتباط عميق بإيران.