هزيمة الخارجين عن الوفاق

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

أين هم حالياً أولئك الأولياء الشرعيون في زمن المحاصصة التي وزعت المراكز بالتراضي، بدءاً من الحكومي منها؟ وكيف يمكن دولة أن تحصر سلاح قوة خارجة عن الشرعية مثل "حزب الله"، وهو ممثلٌ تمثيلاً فاعلاً في مختلف مراكز القرار أو متعاطف معها بدءاً من الحكومة؟

ليس لبنان بلد المحاسبة. هذا ما كان ولا يزال ينقصه. ديموقراطيته تنحصر في الحرية أولاً وفي تداول السلطة ثانياً، بالرغم من استثناء مهم، وهو ليس حال أي بلدٍ عربي آخر، بحكم الشخص الواحد أو الوارث.

في الجلسات النيابية الأخيرة ارتفعت الأصوات محاسبةً الحكومة على مختلف المواضيع. وقيل فيها كل شيء، وخيضت مواجهات بين عدد من النواب وممثلي "حزب الله". وبالنتيجة، جددت الثقة لها لأن لا مصلحة في تغييرها حالياً. لكن ذلك ليس بالقليل، لا مقارنة بدول الحق والقانون كما في الديموقراطيات المتقدمة التي كنا ولا نزال نهجس بالاقتداء بها، بل بالدول العربية المجاورة التي تفتقر كلها إلى الحرية وتداول السلطة كما في لبنان.

واقعنا هو غير ذلك. لدينا الحريات، لكن الدولة التي حضرت في بعض الزمان تبدو غائبة تماماً حالياً، إذ لا قدرة لها حتى على ضبط مخالفات الدراجات النارية. فكيف بحصر سلاح "حزب الله" الذي يطالبنا به العالم كله، والجيش في مأزق حقيقي تجاه هذا المطلب؟

لا بد هنا من فتح نافذة يطالب بها الكثيرون، هي تحييد لبنان عن الصراعات. وقد ذكرنا في هذه الصفحات مرحلة تحييده عن الصراعات العربية في حقبة الستينيات، وهي سقطت لاحقاً. ولكن المقارنة مع سويسرا التي يصرّ عليها البعض تقف هنا. إذ إن لبنان، في تكوينه البشري شديد الاختلاف عن التجربة السويسرية. سويسرا، بعد مؤتمر فيينا عام 1815 إثر الحروب النابوليونية اختارت عام 1848 الحياد بسبب الاختلاف العرقي بين مكوناتها البشرية. فلا اللغة تجمع هذه المكونات ولا الثقافة. السويسريون منقسمون إلى ثلاثة عناصر: العنصر الفرنسي والعنصر الألماني والعنصر الإيطالي، بالإضافة إلى الأقلية الرومنشية (Les Romanches) التي كانت في صلب التكوين.

والمكونات العنصرية اتفقت على الحياد في منتصف القرن التاسع عشر، وصار هذا الحياد بالذات اللحمة الوطنية الأساسية التي لولاها لما نشأ الكيان السويسري واستمرّ وازدهر. فالكانتونات الكبرى يتكلم أبناؤها الفرنسية والألمانية والإيطالية، مع كل الجذور العائدة إلى هذه الجنسيات، وهذا النموذج نجح.

في 27 أيلول الماضي جرى استفتاءٌ شدد على الحياد بعدما أثارت روسيا انحياز سويسرا إلى الغرب، فجاءت النتيجة استمرار هذا الحياد بشكله الحالي مع الانتماء إلى الغرب، من دون الدخول في الوحدة الأوروبية أو في الحلف الأطلسي. وهكذا نجحت التجربة السويسرية ولم تدخل في الحروب، وبنت قواتها العسكرية والأمنية الذاتية التي يُحسب لها الحساب.