نظرية إيلون ماسك: عصر الوفرة

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

رؤية ماسك ستتحول من توقّع تكنولوجي إلى تصوّر حضاري كامل، عالم تستطيع فيه الآلات إنتاج قدر هائل من الثروة المادية، وتصبح المهمة الأساسية للبشرية إدارة هذه الوفرة والاستفادة منها، واكتشاف الدور الذي سيبقى للإنسان في عالم أصبحت فيه القدرة على الإنتاج غير محدودة.

طرح إيلون ماسك تصوّرًا جذريًّا لمستقبل الذكاء الاصطناعي والروبوتات، يتجاوز فكرة زيادة الإنتاجية أو استبدال عدد كبير من الوظائف. جوهر هذا التصوّر هو الوصول خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًّا إلى عصر من الوفرة الاقتصادية، تصبح فيه القدرة على إنتاج السلع والخدمات أكبر بكثير من قدرة البشر على استهلاكها، فتتراجع أهمية العمل والدخل والمال بالشكل الذي نعرفه اليوم.

تقوم هذه الرؤية على اندماج الذكاء الاصطناعي AI مع الروبوتات Robotics. الذكاء الاصطناعي يوفر القدرة على التفكير والتصميم واتخاذ القرار، بينما توفر الروبوتات القدرة الفيزيائية على تنفيذ هذه القرارات. ومع تطوّر الاثنين معاً، تتحوّل الآلات إلى منظومة إنتاجية قادرة على توسيع قدرتها الإنتاجية باستمرار.

لقد رسم ماسك خلال السنوات الأخيرة مجموعة من المحطات الزمنية لهذه الرؤية. ففي تشرين الأول 2024، توقّع وصول عدد الروبوتات البشرية إلى نحو 10 مليارات بحلول عام 2040، أكثر من عدد البشر. وفي عام 2026، تحدّث بصورة أكثر وضوحاً عن اقتراب الذكاء الاصطناعي من مرحلة يتجاوز فيها مجموع الذكاء البشري، واضعًا بداية العقد المقبل كأفق محتمل لهذا التحوّل.

ثم تأتي سنة 2036 في تصوّر ماسك باعتبارها محطة أساسية، إذ وصفها كأفق محتمل لـ"عصر الوفرة المذهلة" Age of Amazing Abundance، حيث تصبح قدرة الإنسان على الحصول على السلع والخدمات والتجارب واسعة إلى درجة قد تفقد معها النقود جزءًا كبيرًا من وظيفتها الاقتصادية.

الجانب الأكثر أهمية في هذه النظرية يكمن في أن AI والروبوتات سيعملان، وفق هذا التصوّر، على إنتاج وسائل الإنتاج نفسها. المصانع يمكن أن تصبح مؤتمتة بالكامل، والروبوتات يمكن أن تنتج روبوتات جديدة، والذكاء الاصطناعي يمكن أن يطوّر تقنيات أكثر كفاءة، والطاقة يمكن أن تنتج على نطاق متزايد بطرق مبتكرة، كما يمكن توسيع عمليات استخراج الموارد وبناء البنية التحتية ومراكز البيانات. وهكذا تصبح الطاقة والحوسبة والمواد الخام جزءًا من الحلقة الإنتاجية نفسها.

هذه الحلقة هي جوهر "فرضية الوفرة الماسكية". الأتمتة هنا تمتد إلى القدرة على إنتاج المزيد من القدرة الإنتاجية نفسها، ما يفتح الباب أمام تسارع متواصل في الإنتاج.

إذا تحقّق هذا المسار، يمكن أن تنخفض كلفة الغذاء والطاقة والسكن والنقل والرعاية الصحية والتعليم والخدمات بصورة هائلة. بالتالي، يمكن للإنسان أن يحصل على مستوى معيشي مرتفع من دون ارتباط مباشر بين دخله وحجم العمل الذي يؤديه. ومن هنا يأتي حديث ماسك عن Universal High Income وعن مرحلة قد يصبح فيها المال أقل أهمية.

لكن اتّساع القدرة الإنتاجية عالميًّا يحتاج إلى الوصول العالمي إليها. سكان المناطق النائية في أفريقيا، على سبيل المثال، يمكن أن يستفيدوا من الطاقة اللامركزية، والاتصالات الفضائية، والتعليم المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والطب عن بُعد، والروبوتات القادرة على بناء البنية التحتية. ويمكن لمثل هذه التقنيات أن تسمح لمجتمعات كاملة بالقفز فوق مراحل طويلة من التطوّر الصناعي التقليدي.

هنا يصبح مفهوم الوفرة أكثر شمولًا عندما تشمل التكنولوجيا نفسها عملية إيصال الوفرة. كلما انخفضت تكلفة الطاقة والحوسبة والنقل والبناء والإنتاج، أصبح نشر هذه القدرات في المناطق النائية أكثر قابلية للتحقّق. عندها يمكن أن تتحوّل الوفرة من ظاهرة محصورة في الاقتصادات المتقدمة إلى ظاهرة عالمية.

مع ذلك، تبقى بعض أشكال الندرة مرتبطة بطبيعة الأشياء نفسها. يمكن للروبوتات أن تنتج ملايين الفنادق والطائرات والمطاعم، لكن بعض المواقع الجغرافية تظل محدودة. يمكن أن تصبح الرحلة إلى هاواي رخيصة جدًّا، وقد يصبح السفر والإقامة والطعام هناك منخفضي التكلفة إلى حد كبير. لكن شاطئًا معيّنًا أو فندقًا معيّنًا أو منظرًا طبيعيًّا محدّدًا يحتفظ بحدود فيزيائية.

إذا أراد ملايين الأشخاص قضاء أشهرهم في الوقت نفسه على الشاطئ نفسه في هاواي، فلن تستطيع زيادة الإنتاج وحدها أن تجعل المكان يستوعب عددًا غير محدود من الزوار. يمكن للتكنولوجيا أن توسّع القدرة الاستيعابية، وتبني المزيد من الفنادق ووسائل النقل والمرافق، وتخفض تكاليف السفر والإقامة، فيما يبقى المكان الفريد نفسه مورداً محدوداً.

وهذا يقود إلى انتقال مهم في طبيعة الندرة. قد تصبح السلع والخدمات الأساسية وفيرة إلى درجة غير مسبوقة، بينما تظل بعض التجارب الفريدة والمواقع والوقت والانتباه والعلاقات الإنسانية محدودة.

وفق هذا التصوّر، يمكن أن يشهد العالم خلال العقدين المقبلين انتقالًا من اقتصاد تحكمه ندرة واسعة في السلع والخدمات إلى اقتصاد تصبح فيه الوفرة هي القاعدة في جزء كبير من الحياة المادية.

ويصبح 2030–2031، وفق توقّعات ماسك، أفقًا محتملًا لتجاوز الذكاء الاصطناعي مجموع الذكاء البشري، و2036 محطة محتملة لعصر الوفرة المذهلة، و2040 موعدًا يتوقّع فيه وجود نحو 10 مليارات روبوت بشري.

هذه المواعيد تبقى توقّعات مستقبلية وليست حقائق علمية مثبتة، إلا أن أهميتها تكمن في ترابطها داخل تصوّر واحد: ذكاء اصطناعي متقدّم، روبوتات واسعة الانتشار، إنتاج ذاتي التوسّع للطاقة والحوسبة والموارد، ثم وفرة متزايدة في السلع والخدمات.

عندها قد تتغيّر طبيعة الاقتصاد نفسه. يصبح الإنسان قادرًا على الوصول إلى معظم ما يحتاجه بتكلفة منخفضة جدًّا، بينما تنتقل قيمة الأشياء تدريجيًّا نحو ما يصعب إنتاجه بلا حدود: المكان الفريد، والوقت، والتجربة، والانتباه، والعلاقة الإنسانية.

وهكذا تتحوّل رؤية ماسك من توقّع تكنولوجي إلى تصوّر حضاري كامل، عالم تستطيع فيه الآلات إنتاج قدر هائل من الثروة المادية، وتصبح المهمة الأساسية للبشرية إدارة هذه الوفرة والاستفادة منها، واكتشاف الدور الذي سيبقى للإنسان في عالم أصبحت فيه القدرة على الإنتاج غير محدودة.

كانت عائلتها توثّق تفاصيل حياتها اليومية، من اللعب وحضور مواعيدها الطبية، إلى قضاء الوقت مع أفراد عائلتها.