من الغبن أن يصور الرجل العربي في العصر الجاهلي بأنه كان يستخف بالمرأة ولا يقيم لها بالا، مع العلم أن العربي لم يكن يتحرج من ذكر اسم زوجته أو حبيبته، بل كان يبدأ قصيدته باسمها، ويخاطبها فيها وهذا أمر شائع ومعروف لدى الشعراء العرب في العصر الجاهلي، حيث إن القصيدة تتناقلها القبائل العربية وتجري على ألسنتهم، وخير آية على ذلك عنترة العبسي الفارس الذي لا يشق له غبار، لا تكاد تخلو قصيدة له من ذكر اسم معشوقته (عبلة)، ولنا في القصائد التي خاطب فيها حاتم الطائي شيخ الكرم والجود زوجته، خير آية، والشاعر الكبير امرئ القيس «أفاطم مهلا بعض هذا التدلل» وذلك على سبيل المثال لا الحصر.
كما أن المتتبع لأشعار العرب يجد بكل سلاسة أن الشاعر العربي، خصص قسما في النسيب والتودد للمعشوقة أو الزوجة في قصيدته، ضف على ذلك افتخار بعضهم بنسبه لأمه وأخواله كافتخاره بنسبه لأبيه وأعمامه.
يذكر الدكتور جواد علي (1907-1987)، في كتابه «المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، أنّ «للمرأة الشريفة ذات السؤدد حظّاً في المجتمع لا يدانيه حظ المرأة الحرّة الفقيرة. فسؤددها حماية لها ودرع يصونها من الغض من منزلتها ومكانتها. وأسرتها قوة لها، تمنع زوجها من إذلالها أو إلحاق أي أذى بها، وهي نفسها فخورة على غيرها لأنها من أسرة كريمة موازية لها في المنزلة والشرف.
كانت المرأة قبل الإسلام، فاعلةً ومؤثّرةً، وكان لها حضور مجتمعي لا يمكن إهماله أو التقليل منه، إلى درجة أنها كانت تُذكر في الأشعار والأمثال، وليس المقصود هنا بالضرورة قصائد الغزل والنسيب التي تركّز على الجانب الخلقي، ولكن في جوانب أخرى متعلّقة بالجانب الأخلاقي مثل الشرف والكرامة والعزّة من مكارم الأخلاق.
ما أود تسليط الضوء عليه بعض النسوة اللواتي ورد ذكرهن وألقابهن في الأمثال والتسميات العربية السائرة في الجاهلية.
يورد الثعالبي (350-429 هـ) في كتابه «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب»، العديد من القصص التي تروي حكايات النساء اللواتي خلّدتهنّ الأمثال، وأضحين كما يقول العرب مضرباً للمثل.
فهناك مثل عربي جاهلي يقول: «مالي ذنب إلا ذنب صحر»، وصحر هي ابنة لقمان بن عاد. كان أبوها لقمان، وأخوها لقيم، قد خرجا مغيرين، فأصابا إبلاً كثيرةً فسبق لقيم إلى منزله، وعمدت صحر إلى بعض ما جاء به لقيم، فصنعت منه طعاماً يكون معدّاً لأبيها لقمان إذا قدم، وكان لقمان قد حسد لقيماً في تبريزه عليه، فلما وضعت صحر الطعام لوالدها، وعلم أنه من غنيمة لقيم، لطمها لطمةً قضت عليها، فصارت عقوبتها مثلاً لكل من يعاقَب بلا ذنب.
كما يذكر الثعالبي، قصة مثل آخر يقول: «أشأم من رغيف الخولاء». والخولاء كانت تعمل خبّازةً في بني سعد بن زيد مناة، فمرّت وعلى رأسها كارة خبز، فتناول رجل عن رأسها رغيفاً، فاشتكت إلى أحد جيرانها من الرجال. فثار وثار معه قومه إلى الرجل الذي أخذ الرغيف، وقد استنصر سارق الرغيف قومه، فاشتعلت الحرب ودارت رحاها حتى انتهت بألف قتيل من الطرفين، وأصبح رغيف الخولاء مثلاً يعبّر عن الشيء اليسير الذي يأتي بالخطب الكبير.
ويذكر ابن قتيبة الدينوري (ت 276هـ)، في كتابه ذائع الصيت «المعارف»، قصة «عطر منشم»، التي ذكرها الشاعر المعروف النابغة الذبياني، في أحد أشعاره بقوله:
ومنشم امرأة كانت تعمل عطارةً تبيع الطيب، وكان العرب إذا قصدوا الحرب غمسوا أكفّهم في طيبها، وتعاهدوا بأن يستميتوا في الحرب حتى آخر شهقة نفس، ولا يولوا الأدبار حتى يموتوا أو ينتصروا.
وفي الختام، لا يمكن إنكار دور المرأة العربية الفاعل في حقبة ما قبل الإسلام، ودورها البارز في المجتمع، ومنهنّ من تُوّجن ملكات على قومهنّ كزنوبيا في تدمر، وبلقيس في سبأ.
من الغبن أن يصور الرجل العربي في العصر الجاهلي بأنه كان يستخف بالمرأة ولا يقيم لها بالا، مع العلم أن العربي لم يكن يتحرج من ذكر اسم زوجته أو حبيبته، بل كان يبدأ قصيدته باسمها، ويخاطبها فيها وهذا أمر شائع ومعروف لدى الشعراء العرب في العصر الجاهلي، حيث إن القصيدة تتناقلها القبائل العربية وتجري على ألسنتهم، وخير آية على ذلك عنترة العبسي الفارس الذي لا يشق له غبار، لا تكاد تخلو قصيدة له من ذكر اسم معشوقته (عبلة)، ولنا في القصائد التي خاطب فيها حاتم الطائي شيخ الكرم والجود زوجته، خير آية، والشاعر الكبير امرئ القيس «أفاطم مهلا بعض هذا التدلل» وذلك على سبيل المثال لا الحصر.
كما أن المتتبع لأشعار العرب يجد بكل سلاسة أن الشاعر العربي، خصص قسما في النسيب والتودد للمعشوقة أو الزوجة في قصيدته، ضف على ذلك افتخار بعضهم بنسبه لأمه وأخواله كافتخاره بنسبه لأبيه وأعمامه.
يذكر الدكتور جواد علي (1907-1987)، في كتابه «المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، أنّ «للمرأة الشريفة ذات السؤدد حظّاً في المجتمع لا يدانيه حظ المرأة الحرّة الفقيرة. فسؤددها حماية لها ودرع يصونها من الغض من منزلتها ومكانتها. وأسرتها قوة لها، تمنع زوجها من إذلالها أو إلحاق أي أذى بها، وهي نفسها فخورة على غيرها لأنها من أسرة كريمة موازية لها في المنزلة والشرف.
كانت المرأة قبل الإسلام، فاعلةً ومؤثّرةً، وكان لها حضور مجتمعي لا يمكن إهماله أو التقليل منه، إلى درجة أنها كانت تُذكر في الأشعار والأمثال، وليس المقصود هنا بالضرورة قصائد الغزل والنسيب التي تركّز على الجانب الخلقي، ولكن في جوانب أخرى متعلّقة بالجانب الأخلاقي مثل الشرف والكرامة والعزّة من مكارم الأخلاق.
ما أود تسليط الضوء عليه بعض النسوة اللواتي ورد ذكرهن وألقابهن في الأمثال والتسميات العربية السائرة في الجاهلية.
يورد الثعالبي (350-429 هـ) في كتابه «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب»، العديد من القصص التي تروي حكايات النساء اللواتي خلّدتهنّ الأمثال، وأضحين كما يقول العرب مضرباً للمثل.
فهناك مثل عربي جاهلي يقول: «مالي ذنب إلا ذنب صحر»، وصحر هي ابنة لقمان بن عاد. كان أبوها لقمان، وأخوها لقيم، قد خرجا مغيرين، فأصابا إبلاً كثيرةً فسبق لقيم إلى منزله، وعمدت صحر إلى بعض ما جاء به لقيم، فصنعت منه طعاماً يكون معدّاً لأبيها لقمان إذا قدم، وكان لقمان قد حسد لقيماً في تبريزه عليه، فلما وضعت صحر الطعام لوالدها، وعلم أنه من غنيمة لقيم، لطمها لطمةً قضت عليها، فصارت عقوبتها مثلاً لكل من يعاقَب بلا ذنب.
كما يذكر الثعالبي، قصة مثل آخر يقول: «أشأم من رغيف الخولاء». والخولاء كانت تعمل خبّازةً في بني سعد بن زيد مناة، فمرّت وعلى رأسها كارة خبز، فتناول رجل عن رأسها رغيفاً، فاشتكت إلى أحد جيرانها من الرجال. فثار وثار معه قومه إلى الرجل الذي أخذ الرغيف، وقد استنصر سارق الرغيف قومه، فاشتعلت الحرب ودارت رحاها حتى انتهت بألف قتيل من الطرفين، وأصبح رغيف الخولاء مثلاً يعبّر عن الشيء اليسير الذي يأتي بالخطب الكبير.
ويذكر ابن قتيبة الدينوري (ت 276هـ)، في كتابه ذائع الصيت «المعارف»، قصة «عطر منشم»، التي ذكرها الشاعر المعروف النابغة الذبياني، في أحد أشعاره بقوله:
ومنشم امرأة كانت تعمل عطارةً تبيع الطيب، وكان العرب إذا قصدوا الحرب غمسوا أكفّهم في طيبها، وتعاهدوا بأن يستميتوا في الحرب حتى آخر شهقة نفس، ولا يولوا الأدبار حتى يموتوا أو ينتصروا.