نبـــأ المحـراب

«أكبر أخطاء الإنسان لا تنشأ من سوء النية، بل من الاكتفاء بنصف الحقيقة» – منقول.. انكفأ نبي الله وعبده داوود على العبادة في الليل، قابعا في محرابه، هاجعا ومتجليا، ثم في سكنات تلك اللحظة، تسوّر محرابه رجلان متخاصمان — وهما في حقيقة الأمر ملكان تصوّرا على هيئة بشر — ليحتكما إليه، فلا المقام مهيّأ للفصل في النزاع، ولا الزمان في ظلمة الليل مواتيٍ للمشهد، ولكنه اختبار تشكل في خصومة طارئة، والاختبارات لا تطرق أبوابها عندما تصل إلينا. فزع من هذا الحدث ومن الرجلين اللذين داهما خلوته واقتحما محرابه، لكنهما أشارا إليه بألا يفزع، حيث إنهما مجرد رجلين اختصما في شراكة بينهما. وعندما استبان من الطرف الأول، أوضح له قائلًا بأنه يملك نعجة واحدة، بينما يملك أخوه تسعًا وتسعين نعجة، لكنه نازعه إياها واستطال وألحّ في طلبه ليضمها إلى مجموعته، فتصبح مئة من النعاج. فما لبث داوود عليه السلام أن حكم للطرف الأول بأنه قد ظُلِم بهذا الطلب، في إشارة إلى أن الشركاء والخلطاء غالبًا ما تستحيل شراكتهم إلى خصومة. والعجيب في سرد هذه القصة أن الفصل في هذا النزاع قد حصل لحظة الاستماع إلى أصل المشكلة من الخصم الأول فقط، دون أن يتبيّن ويستفهم عمّا حصل من الطرف الآخر. غادر الرجلان، واستدرك نبي الله ما اجتنبه من الصواب فيما حصل وذلك بتعجله في الحكم ونأيه عن الاستماع للرجل الثاني. كما توضح ذلك سردية الآيات الكريمة: «وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ» وبقيت هذه القصة والعبرة منها؛ كرمزية لضرورة الاستبانة والتبيّن عند الحكم في النزاعات بين الآخرين أو المتخاصمين، حيث أن معانٍ من قبيل التروي والاستماع إلى كافة الأطراف، وعدم التعجل وإن تكاثفت القرائن؛ أمور بالغة الأهمية لسلوك جادة العدل. تذكرت عند التأمل في هذه القصة مقولة للمفكر السعودي إبراهيم البليهي: (العقل يحتله الأسبق إليه)، وذلك أن أنصاف الحقائق قد تصل إلينا فتشغل موضع الحقيقة الكاملة، إذ ينزع العقل إلى تصديق الرواية الأولى، والفكرة الأولى، والانطباع الأول الذي يبلغه، فما يرد إلى العقل أولًا لا يلبث أن يصبح إطارًا تُفسَّر من خلاله الوقائع اللاحقة، فنميل إلى التقاط ما يؤيده، ونغفل عمّا قد يصححه أو ينقضه. وتبرز قيمة التبيّن كطريقٌ للنفاذ والنأي عن ظلم الآخرين؛ وذلك في أن يمهل المرء حكمه قليلًا، وأن يترك في عقله متسعًا للرواية الأخرى، وللتفصيل الذي لم يُروَ بعد، وللوجه الذي لم يظهر من الصورة. فالعقل إذا ألف رواية، أخذت الوقائع من بعده تتشكل في عينه على هيئة تلك الرواية. ومما يتناسب طرحه في هذا السياق ما يقال في ثقافتنا (من نمَّ لك نمَّ عليك، ومن نقل إليك نقل عنك)، وفي ذلك ما يكشف خطورة ما يتناقله الناس، ويكشف ذهنية المتربصين وحَمَلة أنصاف الحقائق؛ أولئك الذين يحملون إلينا زيف الحقيقة بعد تحويرها بما يستدعم نواياهم ومصالحهم، أو يسهم في تشويه صور أندادهم وأخصامهم. والكياسة والفطنة أن يتأنى المرء فيما يصله، وأن يستبين قبل أن يصدّق، ويحيط بالصورة قبل أن يحكم؛ فكم من حقيقة شُوّهت لأننا منحنا الرواية الأولى ثقتنا، قبل أن نمنح الحقيقة وقتها. ومن اللطائف أن الإشارة البلاغية في القصة السالف ذكرها تتجلّى في اختيار كلمة «نبأ»؛ فالنبأ هو الخبر ذو الشأن والأهمية، ولم يُعبَّر عنه بمجرد «خبر»، لما في اللفظ من إشعار بعِظَم الأمر وأهمية ما يُستفاد منه من عبر ودروس.